كان الرهان على «إخوان» تونس قائماً إلى يوم السقوط غير المتوقع قبل أسبوعين، اعتقاداً من رجالات الفكر السياسي وعلم الاجتماع أن البيئة السياسية والثقافية التي نشأوا فيها أكثر انفتاحاً من «إخوان الداخل» أي مصر وبلاد الشام والجزيرة العربية، بسبب قربهم من الثقافة الأوروبية بالدرجة الأولى وانخراطهم في مجتمع تونسي قائم على العلمانية وفصل الدين عن الدولة.

فشل الإخوان بإنتاج تجربة جديدة في تونس قضى على ما تبقى لهم من رصيد يمكن التعويل عليه مستقبلاً، فقبولهم باللعبة الديموقرطية لم يحصنهم من الانغماس بالفساد السياسي والمالي وفوق هذا الاستئثار بالسلطة منفردين.

Ad

استقوى «إخوان تونس» بشعار «المظلومية» ومعاناتهم من الاضطهاد الفكري والإقصاء السياسي في معظم البلدان العربية وبأنهم لم يأخذوا فرصتهم في الحكم! منددين بحكام عرب أظهروا استبداديتهم وجورهم وبالتالي زجهم في السجون وإلى ما هناك من «مظالم» يدعون تعرضهم لها.

في اللحظات الحاسمة التي تتطلب الافتراق بقي «إخوان تونس» في أحضان البنا وسيد قطب ولم يشذوا عن القاعدة التي ارتكز عليها خصومهم السياسيون وحتى الأنظمة العربية الحاكمة والتي تقول بعدم إيمان «الإخوان» بالديموقراطية بصورة نهائية وقطعية وكاملة، فهي تسعى وتنتهز الفرصة للوصول إلى السلطة من خلال «السُلّم الديموقراطي» ثم تتخلى عنه لإقامة «دولتها الإسلامية» وتمنع التعددية السياسية والفكرية ولا تسمح بتداول السلطة.

يكاد أن يكون هناك تواطؤ إخواني مع التاريخ كما يكتب خبير الحركات الإسلامية الأردني محمد أبو رمان وغالباً ما يفشلون بالرد على السؤال الجوهري، هل يقبلون بالديموقراطية؟

من خلال التجربة العملية أظهرت الحركات الإسلامية السياسية والإخوان من بينهم أنها لا تؤمن بالقيم الديموقراطية، كقيمة نهائية تحكم الحياة السياسية، بقدر ما تريد استغلال الديموقراطية من أجل تحقيق أهدافها السياسية، بإقامة دولة ذات طابع «أصولي» ثم تستغني عن الديموقراطية والانتخابات متى تمكنت واستحوذت على السلطة.

يبدو أن العائق الأكبر أمامهم هو «العسكر» بتكوينهم الثقافي والسياسي الأقرب «للعلمانيين» من «المتأسلمين» فقد بقي الجيش الحائط الذي يصد تلك الحركات عن الإمساك بالسلطة، وهذه مصر أفضل مثال على ما فعلوه.

راشد الغنوشي الجالس تحت «مجهر الفساد» الآن له باع طويل بالتنظير عن قدرة «الإسلام السياسي» على التحول الديموقراطي، اعتبر أن تجربة إردوغان في مراحلها الأولى فقط هي البوصلة والنموذج، ففي كتابه «الديموقراطية وحقوق الإنسان في الإسلام» يشيد بهذا الإصلاحي ويجدها فرصة للتشفي بالعلمانيين بعدما ظهرت له حقيقة «أن أعداء الديموقراطية والحداثة ليسوا الإسلاميين وإنما المعسكر العلماني بجناحيه المدني والعسكري»، وكما يراهم، فقد قدموا أي «جماعة إردوغان» انطلاقاً من خلفية منشئهم الإسلامي نفسها صورة عن الإسلام أكثر إيجابية ونفعاً وأقل استفزازاً وبما يعزز الخيار الإسلامي في الحكم.

قد يكون السؤال هنا: هل الغنوشي أراد نقل تجربة إردوغان إلى تونس، ولماذا «نجح» الأتراك فيما فشل فيه الإسلاميون العرب، وبالأحرى إخوان تونس؟!

لم يكن إخوان تونس مشاركين فقط في القرار والسلطة بل كانوا يحكمون فعلياً من خلال البرلمان وداخل الحكومة وعلى مستوى «مؤسسات مجتمع مدني» بنيت على النمط الغنوشي.

نجاح حزب العدالة والتنمية التركي، الذي أسسه نجم الدين أربكان وأضاف عليه «عبدالله غول» وأكمله رجب طيب إردوغان، كان بمثابة الانتكاسة الكبرى من وجهة نظر الغنوشي معلناً انقلابه عليه حين تصالح مع العلمانية التركية كما يدعي، فليس للإسلاميين العرب المطحونين بالاستبداد أن يبتهجوا وتنتعش آمالهم بما تحقق لـ«إخوانهم» الأتراك، وبأن خيوط الشمس ستصل ربوعهم يوماً أيضاً، وإنما الأحرى بالابتهاج هم العلمانيون الليبراليون» .

التجربة التركية من وجهة نظره غير قابلة للنقل إلى العالم العربي لأسباب رَضيَ بها الإسلاميون الأتراك ثمناً للتمتع بالديموقراطية والوصول إلى السلطة، ومنها القبول بالعلمانية... أي علمنة الإسلام بتجريده من الشرعية وفصله عن الدولة.

لذلك يعتقد الغنوشي أنه ليس هناك ما يضطر الحركات الإسلامية العربية إلى الاعتراف بالعلمانية لأن الدول العربية «دساتيرها إسلامية»! وينتهي بالقول إنه سيكون من الصعب حصول فرصة لظهور إردوغان عربي فالتجربة التركية لا تصلح نموذجا، فقد أنتجتها ظروف قاهرة.

الآن، يحاكي الغنوشي نفسه إذا كانت الإردوغانية لا تصلح واستبداد الأنظمة العربية لا يسمح، يبقى الرهان على ما تبقى من الوقت وبعد التجربة المرَّة، هل يتم القبول الكلي بالعملية الديموقراطية كخيار نهائي أم العودة بالنزول تحت الأرض وهي المساحة التي اعتادوا عليها منذ النشأة الأولى؟

حمزة عليان