في خطوة تظهر بوادر انقسام في صفوف الحركة الإسلامية المتشددة، صدرت إشارات متضاربة من «طالبان» حول التزامها بالحل السياسي في أفغانستان، في حين يواصل مقاتلوها هجومهم الواسع الذي يواكب انسحاب القوات الأميركية والأطلسية بعد 20 عاماً من الوجود العسكري.

وظهر خلاف في صفوف الحركة إلى العلن، بعدما نقلت قناة «الجزيرة» القطرية، أمس الأول، عن مصدر في وفد الحركة المفاوض الموجود في الدوحة قوله، إن الوفد قدم اقتراحاً بوقف النار، لكن بعد ذلك بساعات نقلت القناة نفسها عن الناطق باسم المكتب السياسي لـ«طالبان» محمد نعيم، نفيه تقديم أي اقتراح بهذا الشأن، كما نفى بأن تكون الحركة قد وافقت على وقف النار خلال عيد الأضحى مقابل إطلاق سجناء منها.

Ad

وقبل أيام، أعلن المفاوض الحكومي الأفغاني، نادر نادري، أن «طالبان» اقترحت وقفاً للنار مدة 3 أشهر مقابل إطلاق نحو 7 آلاف متمرد من السجون الأفغانية، وشطب أسماء قادتها من اللائحة السوداء الأممية.

وكانت تقارير أشارت إلى وجود خلافات بين القيادة السياسية والعسكرية لـ «طالبان» حيال التفاوض مع إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، ومفاوضات السلام مع الحكومة الأفغانية.

وزعيم «طالبان» هيبة الله أخوندزاده، الذي تولى قيادة «طالبان» منذ 2016، يعتبر من أنصار مفاوضات السلام. وعين أخوندزاده، قاضي الشرع السابق خلال حكم «طالبان»، لأنه بين الأكبر سناً بين قادة الحركة والأقل اثارة للانقسامات.

وقبل بدء المفاوضات مع الحكومة، أجرت «طالبان» تغييرات لافتة في قيادتها العسكرية والسياسية، من أبرزها تعيين الملا محمد يعقوب نجل مؤسس الحركة الملا عمر، مسؤولاً عسكرياً في كل أفغانستان، وضمّ 5 من القادة العسكريين إلى هيئة التفاوض مع كابول.

وكان أخوندزاده يطمح بتعيين الشاب الثلاثيني الملا يعقوب بهذا المنصب، لتأكيد وترسيخ نفوذ أسرة الملا محمد عمر في الحركة ويقوّي قبضته على القادة الميدانيين.

وفي حين يقول خبراء ان «طالبان» تستخدم المعارك لتعزيز وضعها في المفاوضات، وهذا ما أيده قبل أيام مساعد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يرى آخرون أن الحركة ستمضي حتى النهاية في سعيها للسيطرة على البلاد بالقوة.

ورغم وجود توافق على المرجعية الإسلامية لأي سلطة في افغانستان، فإن رؤية «طالبان» المتشددة إسلامياً، والتي لا يبدو انها تخلت عنها بالكامل، ستكون عقبة امام اي عملية سلام حقيقة. ولاتزال الحركة تتجنب الحديث عن مدى نيتها الالتزام بالانتحابات كوسيلة للوصول الى السلطة.

محادثات الدوحة

وأمس الأول، انتهت جولة المحادثات الأخيرة بين الحكومة الأفغانيّة وحركة «طالبان» في الدوحة بالفشل ومن دون تحقيق تقدّم ملموس.

وأعلن الوفدان، في بيان مشترك، «الاتفاق على الإسراع بالمفاوضات من أجل التوصل إلى حل عادل وتسوية تلبي مصالح الأفغان وفق المبادئ الإسلامية».

وأبدى الطرفان التزامهما بمواصلة المفاوضات على مستوى رفيع إلى أن تنجز التسوية.

إلى ذلك، قال رئيس لجنة المصالحة الوطنية عبدالله عبدالله، إن «طرفي المفاوضات لم يتفقا بعد على خريطة طريق محددة لوقف القتال».

وأوضح أن «واشنطن تدعم مفاوضات الدوحة، وكذلك دول المنطقة»، مشدّداً على أنه «لا يمكن لطرف واحد أن يفرض نفسه على أمة كاملة من خلال التقدم العسكري».

في المقابل، ذكر بيان صادر عن «طالبان»، أن الجانبين «اتفقا على الحاجة إلى تسريع وتيرة محادثات السلام، ليتسنى التوصل لحل دائم وعادل للمشكلة الحالية».

من ناحيته، أعلن مبعوث وزير الخارجيّة القطري لمكافحة الإرهاب والوساطة في تسوية النزاعات مطلق القحطاني، أنّ الطرفين اتّفقا على جولة جديدة من المفاوضات الأسبوع المقبل.

في غضون ذلك، ذكر بيان مشترك صدر عن البعثات الدبلوماسية لكل من أستراليا، وكندا، والتشيك، والدنمارك، والاتحاد الأوروبي، وفنلندا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، واليابان، وكوريا، وهولندا، وإسبانيا، والسويد، وبريطانيا، والولايات المتحدة، إضافة إلى الممثل المدني لحلف شمال الأطلسي، في كابول، انه «في عيد الأضحى، يجب أن تضع طالبان أسلحتها للأبد وتظهر للعالم التزامها بعملية السلام».

وأدان البيان «انتهاكات الحقوق مثل مساعٍ لإغلاق مدارس ووسائل إعلامية في مناطق تمكنت طالبان أخيراً من السيطرة عليها».

التصعيد الميداني

وفي أحدث التطورات الميدانية، أعلنت «طالبان» أمس، أنها سيطرت على مديرية نجراب في ولاية كابيسا وسط البلاد، وأشارت إلى أنها اعتقلت 33 من قوات الحكومة.

من جهتها، قالت وزارة الدفاع الأفغانية إنها استعادت السيطرة على مديرية دارا سوف في ولاية سمنغان.

في غضون ذلك، وصل الرئيس الأفغاني محمد أشرف غني إلى مدينة هرات لتقييم الوضع الميداني والأمني بعد سيطرة «طالبان» على معبر «إسلام قلعة» الحدودي مع إيران.

والتقى غني مع محمد إسماعيل، وهو قائد «جهادي» سابق، لمناقشة التطورات الأمنية والميدانية في غربي أفغانستان.

وفي إسطنبول، قال الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، أمس، إن «طريقة طالبان ليست هي النهج الذي ينبغي أن يتعامل به المسلمون مع بعضهم. يجب عليها إنهاء احتلال أراضي إخوانهم، وأن يظهروا للعالم على الفور أن السلام يسود أفغانستان».

وهون إردوغان من شأن تحذير الجماعة المتشددة من عواقب بقاء القوات التركية في أفغانستان لإدارة مطار كابول.

وشدّد في هذا الشأن على أن بلاده «تنوي إجراء محادثات مع طالبان بشأن رفضها السماح لأنقرة بإدارة مطار كابول، وبإذن الله، سنرى أي نوع من المحادثات يمكن أن نجريها مع الحركة، ونرى إلى أين ستأخذنا».

أزمة «ابنة السفير»

على صعيد متصل، ووسط توتر بين البلدين وتبادل اتهامات بشأن دعم باكستان لـ«طالبان» ومنحها غطاء جويا في بعض المناطق، وكذلك منع الطائرات الأفغانية من ضرب المتمردين في مناطق متاخمة لحدود باكستان، تفاعلت قضية «خطف وتعذيب» ابنة السفير الأفغاني لدى باكستان.

وأعربت وزارة الخارجية الباكستانية أمس عن خيبة أملها إزاء قرار كابول سحب سفيرها ودبلوماسييها، مؤكدة أن تحقيقاً يجري بالواقعة على أعلى المستويات، تنفيذا لتعليمات رئيس الوزراء عمران خان.

مناورات حلفاء موسكو

على صعيد آخر، من المقرّر أن تجري روسيا وأوزبكستان وطاجيكستان سلسلة تدريبات عسكرية في طاجيكستان على بعد 20 كيلومترا من الحدود الأفغانية في الفترة من 5 إلى 10 أغسطس المقبل، تحسباً لأي توغل محتمل من قبل مقاتلي «طالبان».

وأوضح خبراء روس، أن «موسكو ستشارك في التدريبات لتكون قادرة على القضاء على الوحدات المسلحة غير الشرعية، ومواجهة محاولات زعزعة الاستقرار، وصدّ أي توغل للحركة مستقبلاً».