استقلت باكستان عن الهند عام 1947 مع أن المسلمين كانوا يشكلون أقلية كبرى، ربع السكان، ثاني أكبر ديانة، تمتعوا بكل حقوق المواطنة وساهموا بشكل فعال في استقلال الهند من حكم التاج البريطاني، هم الذين أشعلوا نار الثورة على الإنكليز، لكن المصادمات المتجددة بين المسلمين والهنود والتي لها جذور تاريخية بعيدة ارتبطت بدخول الإسلام شبه القارة الهندية، دفعتهم إلى الانفصال، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى آثر المسلمون العيش حكاماً في دولة مستقلة خاصة بهم، دستورها الإسلام، تطبق تعاليم القرآن وأحكامه بدلاً من العيش محكومين في ظل دولة ديموقراطية علمانية.

أتساءل اليوم بعد هذه العقود الطويلة:

Ad

ألم يكن من الأفضل للمسلمين في الهند البقاء والتعايش مع الهنود كما تعايشوا من قبل آلاف السنين في دولة ديموقراطية تقوم على أساس المواطنة لا على أساس المعتقد أو العرق؟

بطبيعة الحال هناك المسلمون الذين بقوا وهم يشكلون اليوم ما نسبته %15 من السكان (ثالت أكبر وزن ديموغرافي إسلامي بعد إندونيسيا وباكستان) وصار عدد منهم رؤساء للهند، لكنه كان انفصالا عنيفاً مؤلماً صاحبه صدام وعنف طائفي راح ضحيته أكثر من نصف مليون إنسان، وخلف آلاماً رهيبة وأزمات هائلة وعداوات وحروباً متجددة إلى اليوم.

كانت أولى المشكلات: كيف يؤسسون دولة تطبق الشريعة؟

تطبيق الشريعة على المستوى النظري أمر، لكن ترجمتها على أرض الواقع أمر آخر: أي شريعة تختار؟ وأي مفهوم تطبق؟! وجاء انفصال بنغلادش عن باكستان (1971) ليضاعف الأزمات، وكانت كبرى المشكلات، ذلك الانتشار الواسع لآلاف المدارس الدينية في باكستان وبنغلادش وأفغانستان، تقوم باحتضان الملايين من الأطفال منذ نعومة أظفارهم، تقدم لهم الزاد والمأوى، تجرعهم ثقافة دينية وفق مفهومها الخاص للشريعة.

من رحم هذه المدارس تخرجت عشرات الجماعات المتشددة المسلحة بدءاً بـ(طالبان باكستان) التي ناصبت الدولة العداء كونها، في نظرها، دولة علمانية متعاونة مع العدو الأميركي، قامت بعمليات انتحارية كانت بوتو الزعيمة الباكستانية إحدى ضحاياها، مروراً بجماعة (الجامع الأحمر) التي أعلنت الجهاد على الحكومة الباكستانية وتوعدت بإطلاق آلاف الانتحاريين من المدارس القرآنية، وصولاً إلى (طالبان الأفغان) التي أقامت دولة دينية أخضعت المجتمع الأفغاني لأيديولوجيتها بقوة السلاح.

ما الجامع المشترك لمناهج هذه المدارس الدينية؟

1- تلقن طلابها رأياً فقهياً آحادياً كحقيقة مسلمة لا تقبل خلافاً أو رأياً مغايراً.

2- تدرس المفاهيم الدينية: الجهاد، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الولاء والبراء، الحاكمية، الخلافة، تطبيق الشريعة، وفق مفهوم ضيق متشدد.

3- تختار من الآراء الفقهية أكثرها غلواً وتطرفاً.

4- تعادي المرأة وتنظر إليها مصدراً للغواية والفتنة والفساد والشرور.

5- تزرع الكراهية في نفوس طلابها تجاه الآخرين الذين يخالفون معتقدها وفهمها للدين.

6- تعلم طلبتها أن كل الأنظمة السياسية القائمة باطلة مخالفة للشريعة، وأن النظام الإسلامي الصحيح الذي ينبغي استعادته، هو نظام الخلافة.

7- تعادي معطيات الحداثة والعقلانية والتجديد لأنها مبتدعات ضالة، وشر الأمور محدثاتها.

8- ترسخ في نفوس طلابها التعصب المذهبي والديني والذهنية الإقصائية، انطلاقاً من أن الفرقة الناجية واحدة، وكل الفرق الإسلامية الأخرى ضالة.

9- تركز على مظاهر التدين كإطلاق اللحية وتحريم حلقها، والثوب القصير، وفرضية النقاب على المرأة، وتحريم الموسيقى والغناء والتصوير والفضائيات... إلخ. لا جوهر الدين والقيم الأخلاقية ومبادئ العدل والمساواة.

10- مفهومها لتطبيق الشريعة ينحصر في تطبيق العقوبات: قطع يد السارق، رجم الزاني، جلد شارب الخمر، فرض النقاب على المرأة، الفصل بين الجنسين، معاقبة غير الملتحي، لكنها تغيب قواعد ومبادئ الإسلام العليا كالشورى والعدالة والمساواة والحرية وحقوق الإنسان والتسامح والسلام والتعاون وقبول الآخر، بل تحاربها.

جماعة (طالبان) جماعة دينية من إنتاج هذا التعليم التلقيني الآحادي الإقصائي العنيف المعادي للثقافات الأخرى وضحية من ضحاياه، وتلك جناية التعليم المتخلف.

*كاتب قطري

د. عبدالحميد الأنصاري