أعتقد أن الكثير منا شاهد الفيديو الذي انتشر الأسبوع الماضي، والذي تحدثت فيه مهندسة كويتية وهي تحمل طفلها قائلة إنها وزوجها مهندسان ينتظران التعيين منذ فترة طويلة وإنهما يعيشان الآن على راتب البطالة الذي لا يكفي أسرتهما الصغيرة، كما نشرت صحيفة (القبس) في الأسبوع نفسه أن بعض أصحاب التخصصات من المهندسين والمهندسات الذين ينتظرون التعيين منذ سنتين أو أكثر يتجاوز عددهم الألفين، وحالهم مثل حال آلاف الخريجين خصوصاً في التخصصات غير المطلوبة في سوق العمل بسبب امتلاء الحكومة بهذه التخصصات ومحدودية سوق العمل الخاص.

هذا الموضوع المؤلم أعاد ذاكرتي إلى محاولات جرت منذ سنوات طويلة للتحذير من هذا الوضع الذي وصلنا إليه، لكنها لم تنجح في اتخاذ القرارات الحاسمة للتوفيق بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل، ففي اللجنة التشريعية في مجلس 92 تمت مناقشة الموضوع بوجود مسؤولي الجامعة، وأصدرت اللجنة تقريرها بهذا الشأن، ولكن لم يتم الأخذ به لإصلاح التعليم كما لم يتم تعديل الهرم المقلوب، كما احتوت الخطط الخمسية المتتالية على هدف واضح وهو ضرورة ربط مخرجات التعليم بمتطلبات سوق العمل، ولكن هذا الهدف مثل الكثير غيره لم يتم تنفيذه.

Ad

وأيضاً قدمت شخصياً دراسة حول هذا الموضوع الى مجلس التخطيط عام 2012 بالاستعانة بديوان الموظفين الذي كان يرأسه السيد عبدالعزيز الزبن، إلا أن شيئاً لم يحدث وقراراً لم يتخذ رغم تحذيراتي، وكانت الوزيرة تصر على أن كل شيء على ما يرام، وأن الخطة الخمسية تسير حسب جدول الإنجاز،

ومما زاد هذا الموضوع تعقيداً كثرة مطالبة بعض الفئات الوظيفية بصرف كوادر مالية خاصة، وكان كثير من أعضاء المجلس يؤيدون مطالبهم ويدعونهم للإضراب إذا لم تتحقق هذه المطالب.

وأذكر أن السيد فيصل الحجي نائب رئيس الوزراء ورئيس مجلس الخدمة المدنية كان حريصاً على تقنين هذه الزيادات وربطها بحاجة سوق العمل، ولكن التغيير الوزاري الذي تم في فبراير 2006 أتى بحكومة استجابت لضغط المجلس، وفتحت الباب على مصراعيه لبعض الفئات الوظيفية بالكوادر المالية، فارتفع بند الرواتب في الميزانية حصرياً لبعض الفئات للأسف دون الآخرين، كما ازدادت الهوة بين رواتب الكويتيين في الحكومة وأصبح جميع الخريجين يطالبون بالتعيين في جهات معينة ذات مرتبات عالية تفوق أقرانهم، وارتفعت نسبة الهجرة من القطاع الخاص الى القطاع العام.

وهذا الوضع غير السليم يزداد خطورة سنوياً، وسيصل الى معدلات خطيرة إذا لم يتم اتخاذ خطوات جريئة لإصلاحه، خاصة إذا علمنا أن أكثر من 420 ألف كويتي يجلسون حالياً على مقاعد التعليم وكثير منهم في بعثات داخلية وخارجية وأغلبها لا يتلاءم مع متطلبات سوق العمل.

وإذا استمر هذا الخلل فسيكون التعيين في الحكومة هو الملاذ الوحيد دون أن يكون وفقاً للتخصص أو الحاجة، وستستمر الحكومة في التعيين مع زيادة مدة الانتظار، وذلك تجنباً للمشكلات الاجتماعية التي يمكن أن تؤدي إليها البطالة التي قد تتحول الى مشكلات أمنية، وعليه سيزداد حجم الجهاز الحكومي ومتطلباته من رواتب ومقرات وأثاث وأجهزة قد لا يكفي دخل الدولة لتوفيرها مستقبلاً مع زيادة أكيدة في تعقيد وتعطيل معاملات المواطنين.

هذا السرد المختصر يؤكد أنه ليس بالضرورة أن تكون القرارات الحكومية الناتجة عن الضغوط البرلمانية أو الشعبية صائبة، بل العكس فقد كانت في هذا الموضوع مدمرة وغير صحيحة ولا تحقق المصلحة العامة؛ لأنها لم تنظر إلى الأمام، ولم تأخذ بعين الاعتبار التغييرات الديموغرافية والاقتصادية القادمة، لذلك فإن تغييرها اليوم أصبح مطلباً ضرورياً لإصلاح سوق العمل، وتعديل التركيبة السكانية، وتوفير العيش الكريم للأبناء القادمين الى سوق العمل.

فلابد الآن من اتخاذ قرارات شجاعة لربط التعليم والبعثات والتدريب والزيادات المالية والحوافز الأخرى بالمتطلبات الحقيقية لسوق العمل، كما لابد من اتخاذ قرارات حاسمة لتعيين الكويتيين في القطاع الخاص، والعمل على تحريره وتوسيع نطاقات عمله، وتضييق الهوة في الرواتب والمخصصات والامتيازات بين القطاعين العام والخاص، كما يجب، وعلى الفور، وضع قواعد عامة ومجردة للتعيين في الحكومة خصوصا في الوظائف ذات الكوادر بدون تدخل الواسطة أو الفئوية أو الاستثناءات، ويجب أيضاً وضع تشريع دقيق لتحديد مواصفات الوظيفة القيادية بحيث لا يشغلها إلا من يطبق القانون ويحافظ على المال العام دون أي استثناء لأي وزير أو نائب أو حزب أو أسرة أو طائفة أو قبيلة.

الخلاصة، على المجلس والحكومة النظر إلى الأمام والقادم من السنوات ومعطياتها وظروفها، ويكفي ما حل بالكويت من النظرة القاصرة وآخرها تخفيض تصنيف الكويت الائتماني.

أحمد يعقوب باقر