يعاني الاقتصاد الكويتي شُحاً لافتاً في توافر المعلومات، لا سيما البيانات الإحصائية، ويواجه المستثمر صعوبة في الحصول على بيانات معينة؛ تجارية أو اقتصادية، أساسية في اتخاذ القرار، أو قراءة السوق والقطاعات التجارية قراءة فنية سليمة. فالعديد من الجهات المعنية بتوفير البيانات الاقتصادية، كالإدارة العامة للإحصاء، أو الأمانة العامة للمجلس الأعلى للتخطيط والتنمية، لديها بيانات قديمة؛ سكانية وعمرية ومالية وتجارية، لا تصلح حاليا، ليس فقط مع مرور الزمن عليها، بل أيضا لكون تداعيات انتشار فيروس كورونا لعبت دورا في إعادة رسم البيانات، التي تُعد سرعة نشرها مهمة، لكونها تمثل درجة عالية من مصداقيتها وجودتها.

فكيف يكون التخطيط من غير إحصائيات وبيانات؟! وهل عدم توافر المعلومات والبيانات سبب في فشل الحكومة في الكثير من المجالات، أم ان الحكومة السبب في فشل توافر البيانات والإحصائيات؟!

Ad

تخطيط من دون بيانات هو جهل مركَّب يُضاف إلى قائمة الفشل الحكومي ويقودنا إلى فشل مُحقق. وهو واحد من أهم أسباب فشل الإدارة الاقتصادية في الكويت هو التخطيط من دون إحصائيات أولية، لا سيما أن الكويت دولة ذات اقتصاد مختلط، ما بين نظام السوق الحُر والسوق الموجَّه، فالشركات تعتمد على البيانات والإحصائيات في دراساتها ومخططاتها أيضا، وهذا يعمّق الأزمة لكل جهات الدولة من قطاع عام وخاص.

العالم سيمر دوماً بأزمات اقتصادية وسياسية وصحية، وعدم توافر البيانات يزيد من سوء الأزمات، ويساهم في زيادة مدتها.

فقر المعلومات والإحصائيات والبيانات غير جيد للكويت، خصوصا في ظل التطور والتقدم الحالي للعالم، فلا مجال للتنافس مع الدولة التي تنهض من خلال التخطيط السليم والناجح المبني على البيانات.

وفي هذا الصدد تحدَّث بعض المختصين لـ«الجريدة»، وقد جاءت كلماتهم كالتالي:

بداية، قال المدير العام لغرفة تجارة وصناعة الكويت، عماد الزيد: "رغم صِغر حجم قسم الإحصاء في (الغرفة)، فإن إنتاجيته كبيرة. تتوافر لدينا إحصائيات التجارة الخارجية، وهي متاحة على الموقع الرسمي لـ(الغرفة)، إضافة إلى من يريد تفاصيل معينة بمقدورنا توفيرها له".

وأضاف الزيد: "نتميز في (الغرفة) بتوافر الإحصائيات بطريقة أكثر تميزا عن غيرنا. لدينا قائمة تتضمن أهم 30 شريكا تجاريا مستوردا ومصدرا كدول، ولدينا قائمة بأهم المستوردات، وقائمة لأهم الصادرات. هذه القوائم مهمة للتعامل مع شركائنا التجاريين، إضافة إلى أهميتها للتاجر، سواء الكويتي أو الأجنبي، حيث نوفر له معلومات عن أي سلعة لفترة تصل إلى 10 سنوات بالوزن وقيمة السلعة بالدينار والدولار".

وتابع: "في السابق كنا نعمل على تفريغ البيانات من الكتيبات الضخمة يدوياً، أما اليوم ومع التطور التكنولوجي، فيتم عمل ذلك عبر الحاسب الآلي، ووفق النظام المنسق الإحصائي الدولي الذي يصنف السلع وفق طبيعتها، من خلال الربط مع الإدارة المركزية للإحصاء. فبمجرد الانتهاء من الإحصائيات لديهم يقومون بمشاركتها في الملف، وأوتوماتيكياً تتحدث على أنظمة (الغرفة)".

تأخر المعلومات

وقال الزيد: "نعيش في عام 2021، وآخر إحصائيات وصلت لنا كانت لسنة 2019. نتوقع حصولنا على إحصائيات 2020 في نهاية سبتمبر أو نهاية أغسطس. هذا الوضع يتكرر كل سنة، نعاني تأخر المعلومة، ولتلافي ذلك تم الربط مع الإدارة العامة للجمارك، للحصول على إحصائيات التجارة الخارجية المتاحة لديهم، ونستخدم هذه المعلومات بطريقة استرشادية مع الوفود التجارية".

وأشار إلى التعاون بين "الغرفة" والإدارة المركزية للإحصاء، وقال: "هناك تواصل مستمر مع المسؤولين بخصوص الحصول على المعلومات، وكذلك لوضع آلية تسرع الحصول على البيانات الإحصائية بشكل أسرع، فالإحصائيات قبل أن تصل لنا تمرُّ بعد وصولها من (الجمارك) إلى الإدارة المركزية للإحصاء بـ6 مراحل تدقيق، ثم تصل لنا، لذلك تأخذ وقتا طويلا في الإعداد".

تعاونات «الغرفة»

وأردف: "لدينا تعاونات كثيرة أيضا مع البنك المركزي، حيث يزودنا بالإحصائيات المصرفية، وسعر الصرف للتقارير الاقتصادية، حيث يملكون إدارة نشطة ومعلومات دقيقة. وهناك تعاون مع وزارة الخارجية بكل إداراتها، خصوصا الإدارة الاقتصادية، ومن الجيد أنهم يعتمدون اعتمادا مباشرا على (الغرفة) فيما يخص التقارير الاقتصادية والإحصائيات، إضافة إلى التعاون مع هيئة تشجيع الاستثمار في استقبال الوفود الأجنبية بالكويت".

راصد اقتصادي

وأكد الزيد أن الكويت بحاجة لراصد اقتصادي، لرصد كل القطاعات الاقتصادية المهمة، من خلال المؤشرات، بهدف توجيه الاقتصاد بشكل دقيق، فالمعلومات الإحصائية لا شك مهمة جدا لاتخاذ القرار الأنسب لكل حالة يمرُّ بها الاقتصاد.

طرق أخذ البيانات

من جانبها، قالت الوكيلة المساعدة لشؤون قطاع العمل الإحصائي بالإدارة المركزية للإحصاء، منية القبندي، إن البيانات يتم تسلُّمها من الجهات المعنية المزودة للبيان، من خلال الموقع الرسمي للإدارة المركزية، أو الأنظمة الإلكترونية، أو الملفات المشتركة بين الجهات، وبعض البيانات تؤخذ من خلال نزول الباحثين الميدان، مثلا للمزارع والجمعيات والأسواق والشركات وغيرها".

تأخر البيانات

وأضافت القبندي أن "هناك بيانات تصدر بصورة شهرية على الموقع الرسمي للإدارة، مثل بيانات أسعار المستهلك والتجارة الخارجية، وهناك بيانات ربع سنوية، وبيانات سنوية، وأحدث بيانات لنظام معلومات سوق العمل لدينا بالموقع الرسمي في 31 ديسمبر 2020، وهي بيانات ربعية نحصل عليها من عدة جهات معنية بسوق العمل، كالتأمينات الاجتماعية، وهيئة المعلومات المدنية، وديوان الخدمة المدنية، ووزارة الداخلية وغيرها، ونقوم بالعمل على دمج وتنظيف وتحليل البيانات بالكامل، ليخرج البيان بالرقم الإحصائي المطلوب بصورة صحيحة".

وتابعت: "الربع الأول ينتهي في 31 مارس 2021، ويفترض تسلُّم البيانات من الجهات المعنية في أبريل، لكن هناك جهات تحتاج لفترة تصل إلى شهرين بعد انتهاء الربع لتسليم البيانات، ومن ثم نحن كإدارة مركزية بدورنا نحتاج لمدة تصل إلى شهر للعمل على دمج البيانات كاملة من جميع الجهات المعنية، حتى نستطيع العمل عليها وإصدار الرقم المطلوب".

المجموعة الإحصائية

ولفتت القبندي إلى أن كل بيان يأخذ وقته في العمل، ولا وجود للتأخير من الإدارة المركزية، لكن "إن وجد، فبسبب تأثرنا كغيرنا من أزمة كورونا، وخاصة في تسلم البيانات من الجهات المزودة"، علما بأن الجهات تعمل جاهدة لتوفير البيانات المطلوبة. أما بالنسبة للمجموعة الإحصائية واللمحة الإحصائية، فجارٍ استكمال إجراءات تنفيذها، وسيتم إصدارها في الوقت المحدد.

مشكلة «المركزية للإحصاء»

وفيما يتعلق بأسباب عدم توافر الإحصاءات والبيانات أولا بأول، خصوصا من قبل الإدارة المركزية للإحصاء، قال رئيس مجلس إدارة مجموعة خدمات الأعمال الخليجية ماجد التركيت، إن السبب يعود إلى عدم توافر قاعدة بيانات مركزية في الحكومة يتم تحميل البيانات عليها، وتمكّن إدارة الإحصاء من الاطلاع عليها.

وأضاف: "كل جهة حكومية تعمل بمعزل، وتبادل البيانات بين الجهات يتم على نطاق محدود جدا، وهذه الصعوبات لمستها أثناء عملنا في إدارة مشروع التعداد السكاني وتعداد المساكن والمنشآت في الكويت عام 2010، حيث وجدنا الجهات الحكومية تتحفظ كثيرا في تزويد الإدارة المركزية للإحصاء، مع العلم بأنها جهة حكومية، ولها مرسوم خاص بتأسيسها يعطيها هذه الصلاحية في الحصول على البيانات، ومع ذلك تتحفظ الجهات الحكومية بإعطائها البيانات بشكل كامل ودقيق".

وأضاف التركيت: "أرجح ذلك إلى سبب أساسي، وهو عدم توحيد الجداول الإحصائية في قواعد البيانات الحكومية، ما يسهل على الإدارة المركزية الربط بين هذه الجهات والحصول على المعلومة بكل سهولة، وبالتالي إذا لم تحصل الإدارة على المعلومات بسهولة ويُسر وبشكل آلي - خصوصا أن هذه البيانات تتغير يوميا وتتحدث، وهي بيانات ضخمة لا يمكن الاعتماد بالحصول عليها بشكل ورقي - فالإدارة المركزية يصعب عليها إصدار بيانات وتقارير إحصائية دقيقة تعكس الواقع بالكويت في جميع المجالات".

أهمية القطاع الخاص

وأشار التركيت إلى أن "القطاع الخاص من الممكن أن يلعب دورا كبيرا في توفير البيانات والإحصائيات، من خلال بناء قاعدة بيانات إحصائية موحدة لدى كل الجهات الحكومية تجمع البيانات المطلوبة، وتُخرجها بالشكل المطلوب الذي تحتاجه الإدارة المركزية للإحصاء والمنظمات الدولية، لأن هذه البيانات الإحصائية والجداول تكون مطلوبة من منظمات الأمم المتحدة وجميع المنظمات الدولية، ويجب أن تخرجها الإدارة المركزية بالطريقة العالمية، لذلك القطاع الخاص دوره أساسي ومهم في تطوير منظومة البيانات وفي جمع البيانات، بالتنسيق مع الجهات المختلفة".

وأكد أنه "ليقوم القطاع الخاص بدوره، فإنه يحتاج إلى قرار من مجلس الوزراء، بإلزام الجهات الحكومية بالتعاون في تزويد الإدارة المركزية للإحصاء بالبيانات الإحصائية المطلوبة، إضافة إلى أن الإدارة لها قانون بتأسيسها، وهي قامت بأول إحصاء في الخمسينيات (أول تعداد سكاني في الكويت). قانون تأسيسها قديم، والإدارة بحاجة لتسوّق نفسها، وتعرف الجهات الحكومية بدورها الأساسي، وتعرف الجهات المختلفة في المجتمع بأهمية تزويدها بالبيانات المطلوبة. أيضا الإدارة تعاني نقص الكوادر الكويتية المتخصصة في علم الإحصاء، وهذا يؤثر بشكل كبير على أدائها. لابد أن يتم دعم الإدارة بالكفاءات الكويتية المتخصصة في مجال الإحصاء وبحوث العمليات، حتى تتمكن من أداء دورها بالشكل المطلوب".

المشاريع الصغيرة والمتوسطة

قالت عضو مجلس إدارة الجمعية الاقتصادية نورة القبندي، إن «دور الجمعية واضح، ولا علاقة لنا بتوفير أو تطوير البيانات والمعلومات. ليس من أهداف الجمعية تجميع البيانات، لكن لقلة توافرها، خصوصا البيانات المتعلقة بقطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وبسبب إيماننا بأهمية هذه المشاريع، قمنا بإنشاء لجنة المشاريع الصغيرة والمتوسطة في الجمعية الاقتصادية».

ولفتت إلى أنه «في محاولة للاطلاع على بيانات ومعلومات المشاريع الصغيرة خلال فترة كورونا، وجدنا عدم توافرها، لذلك قمنا كجمعية بأخذ خطوة مهمة في تجميع البيانات، وبدأنا بالمسح الميداني لأكثر من 400 شركة صغيرة ومتوسطة، وهو أحد السبل المتاحة لجمع معلومات عن أي قطاع».

وتابعت القبندي: «ينقسم الاستبيان إلى جزأين؛ جزء خاص بالتحديات والمعوقات التي تواجه المشاريع الصغيرة، والجزء الآخر والأهم هو جمع بيانات عن أثر الجائحة على المشاريع الصغيرة يتضمن الآثار المالية، وهذا ما يمكن أن تفعله الجمعية في وضع الرؤية الملائمة لمستقبل هذا القطاع، لإيماننا به».

أهمية البيانات للجمعية

وأكدت: «لدينا طموح للجمعية أن تصبح مركز بيانات لهذا القطاع، من خلال مشاركة أكبر عدد من أصحاب المعلومة والتقارير، لتكون متاحة للمشاريع والجامعات وللقطاعين العام والخاص، وهذا يحتاج إلى جهد، ونحن مستعدون لأي جهة تملك بيانات تشاركها معنا».

وختمت القبندي: «من المهم أن يكون للجمعية بيانات، لأن البيانات اليوم هي أغلى شيء في العالم، هي أغلى من الذهب ومن النفط والماء. اليوم من لا يملك بيانات ستكون جميع خططه غير صحيحة. الحياة الجديدة تعتمد على البيانات الضخمة، وتحليلها، ويجب على الدولة المضي بجدية في هذا الاتجاه. هناك محاولات لتجميع البيانات من قبل السجل الوطني، وهي فكرة ممتازة، إلا أنه مغلق، وغير شامل لكل أصحاب المشاريع».

حصة المطيري