قبل عشر سنوات بالضبط عندما كان سعر برميل النفط يتجاوز 100 دولار وميزانية الدولة تتمتع بفوائض مالية ومصروفاتها بحدود 13 مليار دينار، تمنيت في مقالي بـ "الجريدة" "ابق جائعاً... ابق مغفلاً"، أن ينخفض سعر البرميل إلى أقل من 30 دولاراً حتى نفيق من سكرة الإدمان على إبر النفط المخدرة والاعتماد على مصدر أحادي للدخل، ونظام اقتصادي مشوّه مبني على توظيف المواطنين في قطاع عام غير منتج، وحتى تأتي الفكرة، ونضطر إلى تغيير هذه المعادلة الفاسدة.

وبالفعل انخفض سعر البرميل إلى أقل من 30 دولاراً في بداية عام 2016، لكننا لم نتعظ من ذلك الدرس، واستمررنا في زيادة المصروفات بشكل جنوني، واستهلاك الفوائض المالية إلى أن انخفضت أصول الاحتياطي العام من 46 مليار دينار في 2014 إلى أقل من 10 مليارات الآن، وشارفت سيولته على النفاد مع جائحة كورونا، وعاشت الدولة أزمة سيولة خانقة.

Ad

وكان من المفترض أن نتعظ من الدرس الثاني، بعدما فوتنا الفرصة الأولى، لكن بعد الاطلاع على تفاصيل الميزانية الجديدة، لا نجد أي مؤشر يدل على ذلك.

فبنظرة سريعة للميزانية الجديدة، نجد أن المصروفات زادت بمقدار مليار ونصف المليار لتصل إلى 23 مليار دينار، منها 16.5 ملياراً للرواتب والدعوم، بينما الإيرادات المتوقعة لا تتجاوز 11 ملياراً! هذا يعني أن الإيرادات وحدها لا تغطي بندي الرواتب والدعوم! ومع أنه يتوقع زيادة الإيرادات بسبب سعر النفط الحالي، فإنه لا يمكن الاعتماد على الحظ والمجهول لاستمرار هذا الصرف الجنوني. فالهدر والفساد المالي واضح جداً، وهو متركز في بندي الرواتب والدعوم (أي 71 في المئة من المصروفات) لجهاز بيروقراطي متضخم فاسد قاتل للطاقات ومعطل للإنجاز، وهو الهدر الذي لا يريد أغلبية النواب مدعي الإصلاح التطرق إليه.

والأدهى والأمر أن بند دعم العمالة الوطنية انخفض في الميزانية الجديدة من 855 إلى 624 مليوناً، وهو يعني هجرة المواطنين من القطاع الخاص إلى الحكومي في وقت نحن بأمسّ الحاجة إلى فعل العكس تماماً، والسبب الرئيسي لهذه الهجرة المعاكسة هي قرارات الحكومة المتخبطة منذ بداية الجائحة، والتي لم توازن بين الحاجة للحفاظ على الصحة والاقتصاد في آن واحد.

ولا يوجد أي مؤشر، إلى الآن، لجدية الحكومة في قلب هذه المعادلة وتوجيه المواطنين للقطاع الخاص، بدليل نسب النجاح والتفوق الفلكية في الثانوية العامة، وتوجيه الطلبة للجامعات بشكل مبالغ فيه، بينما المطلوب هو توجيههم للتخصصات الفنية والحرفية.

فالحكومة تعلن أن هناك تخصصات لا حاجة لها، وفي الوقت نفسه تزيد من البعثات الخارجية والداخلية لنفس التخصصات التي لا حاجة لسوق العمل إليها! العالم يتجه نحو تقليل أهمية الشهادة والتركيز على المهارات، خاصة مع إعلان الرئيس الأميركي أن 90 في المئة من الوظائف التي ستوفرها خطته التحفيزية لا تتطلب شهادة جامعية، بينما نحن ما زلنا أسرى سياسة عقيمة بدأنا ندفع ثمنها الباهظ مع تصاعد أعداد العاطلين عن العمل. فأين سيتم توظيف 400 ألف مواطن قادم لسوق العمل خلال العشرين سنة القادمة إن كانت الحكومة متضخمة بثلاثة أضعاف حاجتها حاليا؟! وماذا سيكون حجم الإنفاق العام المطلوب حينها؟!

لقد آن أوان تفكيك هذا النظام الريعي الفاسد، وتحرير المواطن من الوظيفة الحكومية عبر أربع خطوات. أولها، تطبيق نظام الراتب الأساسي (universal basic income)، وذلك بدعم الدولة للمواطن براتب مقطوع غير مرتبط بالعمل (شبيه بدعم العمالة). ثانيها، تطبيق ضرائب على الشركات تكون علاقتها عكسية بمدى توظيفها للمواطنين، أي تقل الضرائب كلما زاد توظيفها للمواطنين، وذلك حتى نخلق توازناً في سوق العمل، تمهيداً لإجراء عملية تكميم عميقة في القطاع العام المتضخم. والخطوة الثالثة تتمثل في فتح المجال للمواطنين في المنافسة على تقديم الخدمات المختلفة في الدولة عبر عقود صغيرة لشركات صغيرة مكونة من عدة أفراد بدلاً من الوضع الحالي الذي تحوز فيه شركات كبيرة عقوداً كبيرة الحجم، تذهب أرباحها لعدد محدود، وتجلب معها المزيد من الوافدين، مما يعني مزيداً من الضغط على البنية التحتية، وخللاً أكبر في التركيبة السكانية.

وأخيراً، يتم تحويل وزارات الدولة لمؤسسات مستقلة يتم محاسبتها على عدة معايير مثل عدد الموظفين وتسهيل الإجراءات، وسرعة إنجاز المعاملات وتحويلها رقمياً، وإلغاء ديوان الخدمة المدنية الشيوعي الذي أكل عليه الدهر وشرب، وخصخصة عدة قطاعات خدمية بطريقة ذكية أو تحويلها لهيئة الشراكة حتى تخفف الدولة من سيطرتها على الخدمات.

بعض الأشقاء الخليجيين بدأوا فعلياً بعملية إصلاح واسعة يستهدفون فيها مشاركة أوسع للقطاع الخاص في إدارة الخدمات، وتجميع المليارات من أموال الاستثمار الأجنبي لدعم الاقتصاد، لكن نحن نسير في الاتجاه المعاكس بعد أن بينت الإحصاءات الأخيرة وجود تدفقات سلبية من الاستثمار الأجنبي بهروب ما محصلته أكثر من 200 مليون دولار خارج البلد.

ولا عجب في ذلك، فنحن ملوك الفرص الضائعة. نتفق مع الداو ثم تلغي الحكومة الاتفاق استجابة لصراخ نواب المزايدات لندفع غرامة مليار دينار، ونجلب العطاءات لإنشاء محطة للطاقة الشمسية ثم نلغيها بـ "جرة قلم" دون أي سبب مقنع، وتنسحب شركة فرنسية مؤخراً من مشروع محطة لمعالجة النفايات بعد تأخير عملها مدة ثلاث سنوات في دهاليز الحكومة المتضخمة وبيروقراطيتها. وأخيراً، تتراجع الحكومة بسبب كم نائب شعبوي عن اتفاقها مع الحكومة الكورية لبناء مدينة ذكية توفيراً للمال العام. فكيف لمثل هذا السلوك أن يجذب ثقة المستثمر الأجنبي؟ فحكومتنا لا تحترم قراراتها ولا تدافع عنها.

والتخبط ليس مقتصراً على الحكومة فقط، بل إن مجلس الأمة ينافسها على ذلك، إن لم يكن يتفوق عليها. وقد رأينا في الأشهر الماضية كيف أن مدعي الإصلاح هم من حاربوا مشروع المطور العقاري، وهم من حاربوا خطوة الحكومة لإجراء الاختبارات الورقية، وهم الذين صدّعوا رؤوسنا عن الفساد، لكن عندما جاءت الحكومة بمشروع هدر 600 مليون دينار لصفوف أمامية أغلبيتهم العظمى ليسوا بصفوف أمامية، وجدناهم "يبصمون بالعشرة" على ذلك المقترح الفاسد. فهم ليسوا الحل، بل هم جزء من المشكلة، وهم مشاركون في إيصال كثير من القيادات عديمة الكفاءة في أجهزة الدولة. هؤلاء ليس لديهم مشروع إصلاحي، فهمهم الأول هو الاستعراض ودغدغة مشاعر الناس بخطاب شعبوي رخيص ومبتذل، والانشغال بمناكفات وبطولات وهمية.

نعيش في دوامة، فالسلطة عبر العقود الماضية عززت هذا النظام الريعي الفاسد للتحكم في كل مفاصل اللعبة السياسية، والآن إن أرادت تغييره، ستجد ردة فعل قوية من الشعب وممثليه لأنهم أدمنوا هذا الريع المدمر. وإلى أن تحل الكارثة، سنظل ندور في هذه الدوامة ما لم تستوعب السلطة أنها المسؤولة عن إخراجنا منها بعد أن أدخلتنا فيه.

حسن مصطفى الموسوي