أثناء فترة رئاسته للجنة المالية في مجلس التخطيط عام 1971 اقترح السيد عبدالرحمن العتيقي أن يخفض إنتاج الكويت من النفط والذي كان يبلغ (3.4 ملايين برميل يوميا) أو أن يدخر المال الفائض العائد من بيع النفط في حساب خاص للأجيال القادمة، وبعد دراسات مكثفة أحيل المشروع إلى مجلس الأمة لكنه لم يقر حتى تم حل المجلس في أغسطس 1976.

وأثناء فترة الحل وبعرض من السيد العتيقي وزير المالية أصدر الشيخ جابر الأحمد الصباح المرسوم بالقانون (1976/106) حيث نصت المادة الأولى منه على أن تقتطع نسبة 10% من إيرادات الدولة، ونصت المادة الثانية أن هذه النسبة تكون احتياطياً بديلاً للثروة النفطية يسمى (احتياطي الأجيال القادمة) ويضاف عائد استثماراتها للحساب نفسه، ويضاف إليها 50% من مبلغ الاحتياطي العام الموجود في ذلك الوقت.

Ad

ونصت المادة الثالثة على أنه لا يجوز خفض النسبة المنصوص عليها كما لا يجوز أخذ أي مبلغ من هذا الاحتياطي، وبفضل الله تعالى ثم بإعمال هذه النصوص القانونية ظل هذا الصندوق ينمو رغم ما طاله من بعض حالات الفساد حتى فاق المئة مليار دولار قبل الغزو العراقي للكويت.

وبسبب هذا الغزو توقفت كل إيرادات الكويت النفطية وغير النفطية، وهنا جاء دور الصندوق الذي كان المصدر الوحيد للمال، حيث تم الصرف منه على إعادة التحرير والإعاشة وإعادة الإعمار وبلغ ما صرف منه ما يقارب 70 مليار دولار.

وبعد التحرير اقترح السيد عبدالله القبندي رئيس هيئة الاستثمار وقتها على الحكومة ألا تسيل ما تبقى من أصول الصندوق نظراً لأهميتها وصعوبة تسييلها وأن يتم الاقتراض من البنوك لتمويل الميزانية، وذلك نظراً لاحتراق جميع آبار النفط وتوقف كل الإيرادات، وبالفعل اقترضت الكويت ما عرف وقتها بالقرض الجامبو وكان خمسة مليارات فقط.

وابتداء من سنة 2014 حتى الآن عانت الميزانية عجزاً متتالياً بسبب انخفاض أسعار النفط وكانت الإيرادات النفطية وغير النفطية لا تكفي لتغطية المصروفات التي كانت تتسارع في النمو، فلجأت الحكومة والمجلس الى السحب من الاحتياطي العام بقرارات حكومية وقوانين مجلسيّة حتى بلغ السحب طوال هذه المدة نحو خمسين مليار دينار إلى أن تم نفاد رصيد سيولة هذا الاحتياطي.

ونظراً لاستمرار العجز في الميزانية صدر القانون (2020/18) الذي يقضي بوقف اقتطاع نسبة 10% من إيرادات الدولة إلى صندوق الأجيال إذا لم يوجد فائض في الميزانية، كما بدأ التفكير في السحب من هذا الاحتياطي لتغطية العجز بالإضافة إلى الاقتراض من الخارج، وأبلغ رئيس هيئة الاستثمار الحكومة بإمكانية أن يقوم صندوق الأجيال بتزويد الميزانية بخمسة مليارات دينار سنوياً.

ومع الإشارة إلى ما جاء في القانون بأن هدف إنشاء هذا الاحتياطي أن يكون بديلاً للثروة النفطية وعدم جواز السحب منه، فقد أثبت هذا الاستعراض التاريخي المهم حقائق ومبادئ يجب فهم مغزاها والعمل بها على الفور ومنها:

1- ضرورة أن تحتفظ الكويت باحتياطي مالي واستثمارات خارجية للتعامل مع أي أزمات أو كوارث أو حروب مستقبلية في المنطقة أو أي انخفاض في أسعار النفط وكذلك لتغطية الارتفاع الهائل في النمو في مصروفات الميزانية، وضرورة الرد على من يسخر من مفهوم الأجيال القادمة ويعتبر نفسه هو الأجيال القادمة ويطالب بالاستحواذ على احتياطي الأجيال.

2- ضرورة عدم الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للدخل وسرعة البدء بالإصلاحات الاقتصادية التي تضمن إيرادات مالية جديدة وخلق فرص وظيفية مستدامة للعدد الكبير من الشباب الداخلين إلى سوق العمل مما يؤدي إلى استمرار الرفاهية والعيش الكريم دون الاضطرار للسحب من الاحتياطي.

3- ضرورة تنمية احتياطي الأجيال وحمايته من الاستنزاف لكي لا يلاقي مصير الاحتياطي العام، وذلك بالتصدي للمشروعات والاقتراحات الشعبوية أو السحب لتغطية الهدر أو المصروفات الجارية التي لا عائد استثماريا منها.

4- ضرورة حماية احتياطي الأجيال من أي شكل من أشكال الانتهاك أو الفساد أو التربح وذلك بإعمال الرقابة المالية الدقيقة وتعيين الكفاءات ووضع قواعد الحوكمة وتقارير ديوان المحاسبة موضع التنفيذ.

5- ضرورة أن تتبنى هيئة الاستثمار مواضع الاستثمار الشرعية الإسلامية فهي الأسلم عند الله والأحوط لنمو المال كما قال تعالى: "يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ".

6- يجب عدم المبالغة في نشر أرباح صندوق الأجيال لكي لا تثير هذه الأرباح أطماع الاستحواذيين في الداخل أو الطامعين في الهبات والقروض في الخارج، وعلى النقيض يجب بيان أن الأسواق العالمية عرضة للتقلبات المالية، وقد تكون الاستثمارات عرضة لخسائر في المستقبل كما حصل في الأزمة المالية العالمية عام 2008.

7- وأخيراً لقد أنجز الشيخ جابر الأحمد والسيد عبدالرحمن العتيقي، رحمهما الله، إنجازاً رائعاً نعمت به الكويت حتى في ساعة العسرة وأحلك أوقاتها، فعلى الشيوخ والوزراء والنواب اليوم السير على هذا الطريق وإكماله.

خاتمة: في أحد لقاءاته التاريخية قال العتيقي، رحمه الله، الحكمة التالية: "عندما أشد يدي في الإنفاق أكبح جماح التضخم".

تمنيت لو أن الآخرِين سمعوا كلامك.

أحمد يعقوب باقر