نحن بحاجة جادة وملحة وصادقة لإعادة قراءة أوراق الوطن وترتيبها، فقد أضاعنا وأضاع البلد معنا، حقاً، سلوك بعثرة الأوراق أو خلطها أو إهمالها أو تمزيقها وربما حرقها.

فهناك أخطاء وتراجعات كبيرة بحق الوطن، تكشفها قراءة أوراقه، ارتكبتها أو ساهمت فيها كل الأطراف، عن علم ودراية وإدراك، أو دون علم أو بلا قصد أو بسذاجة، وقد سُتِرَتْ حقائقها بمسلك غير حميد، تمثل في المجاملة أحياناً، أو بالتغافل أخرى، وبالتحالفات أحياناً ثالثة، أو بتفريط متعمد أخرى.

Ad

ونقف اليوم أمام أوراق المواطنين، التي تعرضت للعبث بها والتحريف فيها، وتعمّد خلطها وإلغاء بعضها، فقد بدأ العبث بهذه الأوراق، منذ منتصف ستينيات القرن الماضي، من خلال محاولات مدروسة لتغيير الهوية وتغيير تركيبة المواطنين، فتجاسرت السلطة والأسرة معاً لخلق طبقة جديدة من المواطنين، بالعبث في ملفات الجنسية والتجنيس، لإضعاف المكون الوطني المؤسس أو الأول، الذي كان شريكاً دائماً في القرار وإسهامه بتمويل الدولة في مراحل عديدة لتطور الكويت، وقد كان دورهم دائماً متصدراً وموازياً للسلطة، إذ شكّل ذلك رديفاً مستمراً لها للحفاظ على الثوابت والأصوليات وإدارة الدولة على نحو رشيد وبنّاء، بعيداً عن المغانم الشخصية التي كان يسعى إليها الكثير من أبناء الأسرة والمتنفذين والمتمحورين حولهم.

وقد كانت أزمة الـ 1964 بداية هذه الحكاية، للانقلاب على النظام الدستوري الجديد، والعودة للإمارة العشائرية التي تتسم بالنظام الفردي واعتبار الدولة ملكاً شخصياً للأسرة.

فدارت عجلة التجنيس لخلق المواطنة الجديدة، وتحشيد الولاءات الضيقة بدلاً من الولاء للدولة ومؤسساتها، وقد نشطت حركة التجنيس السياسي والعبثي واستمرت منذ منتصف الستينيات حتى السنوات القليلة الماضية، حتى بلغ المواطنون في أقل من أربعين سنة أربعة أضعاف عددهم، رغم أن النمو الطبيعي لا يصل بعددهم إلى أكثر من ثلث العدد الحالي في أحسن الاحتمالات.

وتمت رعاية ثقافة استنزاف المواطنة وغذتها قرارات توزيع العطايا والهبات وتبديد مالية الدولة من السلطة ممثلة بالحكومة ومجلس الأمة معاً لكسب الولاءات، فصار المواطن، في سواده، اتكالياً، متكاسلاً، غير منتج، يبرر مرتبه دون أداء عمله، يطمح للشهادة بلا تعليم حقيقي، يقترض منتظراً إسقاط القروض، يتاجر بالإقامة، يبحث عن المحسوبية والواسطة ليأخذ ما ليس له وما هو حق لغيره، كثير المطالب للمزايا المالية أو الوظيفية بلا مقابل، همه الثراء السريع دون الاهتمام بقيم العمل والإنتاجية، فصار لدينا جيلان من المواطنين الانتهازيين والمستنزفين للمواطنة أو الاتكاليين عليها، دون حفظ لالتزاماتها وواجباتها، وشجّعتهم طبقة سياسية من النواب وكبار الموظفين ممن لا يهتم بأمر الوطن، لأنهم ضمن موكب استنزافه واستغلاله لمغانم شخصية، رغم أن واجباتهم ومواقعهم تحتم عليهم أن يؤدوا الأمانة بمسؤولية القدوات، لكن ذلك نادر الحدوث.

وتوالت السلوكيات الدخيلة على الكويتي ونمط أدائه للمواطنة وحقوقها، وصار البلد غنيمة، الكل يسعى لاقتناص ما يمكنه أن يقضم منها من أعلى الشخصيات لعموم المواطنين، وتفشت مظاهر المتاجرة بالوطن مقابل تلك الغنيمة التي قد تكون مالاً فاسداً لبيع الصوت الانتخابي، أو منصباً أو وظيفة أو حيازة، أو غيرها، فتردت سلوكيات المواطنين بصورة مؤلمة برعاية من الأسرة أو السلطة أو الحكومة أو المتنفذين أو المتكسبين السياسيين، وصرنا نعيش في وطن آيل للسقوط جراء سلوكيات رسمية ورغبات جامحة شعبية شرورها لا تبقي ولا تذر، ورغم كل ذلك الكل يرفع شعار ومطالبات الإصلاح الذي لا يمسه هو أو يوقف سلوكياته اللامسؤولة وربما المنحرفة.

إن إعادة ترتيب أوراق المواطنة الصالحة بقرارات حازمة وتنشئة سياسية واجتماعية ووطنية عاجلة خيار ملح، وليتم كذلك تطهير ملفات تزوير الجنسية، والتي بلغت 400 ألف، وفقاً لبيانات تم تداولها في مجلس الأمة، وليتحمل المواطن الواعي مسؤولياته، وأن يكون طرفاً إيجابياً للتغيير قبل أن ينهار وطننا، ونرى أنفسنا لاجئين بلا وطن، لا سمح الله.

وسأكتب خلاصة كيفية ترتيب أوراق الوطن في حلقة ختامية في المقال القادم.

محمد المقاطع