في مجلس الأمة حالياً فريقان اشتعل الخلاف بينهما منذ اليوم الأول، حيث حدثت في الجلسة الأولى أحداث شغب وتجاوزات أحيلت قبل أيام إلى النيابة، كما تم فيها تصوير أوراق الانتخاب مع الباركود، وتم تقديم استجواب إلى رئيس الوزراء فور تعيينه، وكل ذلك مخالف للدستور، بالإضافة الى مخالفات خطيرة أخرى للائحة المجلس.

وعلى إثر ذلك تمت استقالة الحكومة وإجراء تغييرات طالت ثلاثة وزراء، ولكنها لم تؤد إلى تخفيف الخلاف الكبير، فتم تقديم استجواب جديد لرئيس الوزراء حتى قبل أن يؤدي القسم الدستوري، وهذا مخالف أيضاً لأحكام الدستور، كما جرت محاولة لتعطيل هذا القسم بالانسحاب من الجلسة، ولكنها لم تنجح، واستمرت مخالفات اللائحة لتعطيل الجلسات.

Ad

وصرح النواب المعارضون أنهم يملكون الآن أكثر من العدد المطلوب لاستجواب رئيس الوزراء وإعلان عدم التعاون معه (وهو إعدام سياسي)، وهذا أدى إلى إصدار قرار من المجلس بأغلبية ضئيلة جداً بتأجيل الاستجوابات التي قُدمت للرئيس، والتي ستُقدم له حتى بعد دور الانعقاد الثاني، وهو ما يخالف الدستور أيضاً، كما استخدمت في هذا الخلاف (النيابي الحكومي) التصريحات اللاذعة وغير اللائقة من بعض النواب ومختلف وسائل التواصل.

واستمر تعطيل الجلسات، فلم تعقد إلا جلستان تم فيهما صرف حوالي ملياري دينار مما أثار استهجان كثير من الاقتصاديين، حيث صرح الخبير الاقتصادي جاسم السعدون أن "السلطتين تقدمان موارد الدولة قرباناً لاستمرارهما"، وأخيراً قرر النواب المعارضون رفع الأمر إلى صاحب السمو أمير البلاد.

ولا شك أن تمسك كل فريق برأيه وأسلوبه المخالف قد أدى إلى تعطيل عمل المجلس وصرفه عن التصدي لأهم القضايا والمخاطر التي تهدد مستقبل الكويت ورفاهية الكويتيين مثل قضايا الفساد وإصلاح الاقتصاد والتعليم، لذلك لا بد أن ينتبه الإخوة في المجلس والحكومة إلى هذه المخاطر ويبدؤوا على الفور بمعالجة هذه القضايا وسن التشريعات التي كنا نجتمع عليها في المجالس السابقة مثل مطاردة الفاسدين ومكافحة الفساد من خلال لجان التحقيق لوضع النقاط على الحروف وتزويد القضاء بها، وزيادة وتطوير دخل الدولة وإيراداتها والنهوض بالتعليم وربطه بمتطلبات سوق العمل لإصلاح التركيبة السكانية وغير ذلك من القضايا الملحة.

يجب أن يعلم النواب أن تعطيل عمل المجلس باستمرار هذا الخلاف وبهذا الأسلوب لا يعد خسارة للفريقين فحسب إنما هو خسارة للبلاد بأسرها ومستقبل أجيالها، ومن الخطأ أن يعتقد أحد الفريقين أن هذا الخلاف سيحسم لمصلحته وحده وهزيمة الطرف الآخر.

قديما عندما كان ينشب خلاف بين بعض الكويتيين يقول المحبون للطرفين: "تمت يا جماعة، فك الفك"، لذلك أقترح أن يقوم بعض الإخوة من أهل الرأي والحصافة بهذه المهمة ليس للإصلاح بين نفوس المختلفين لأن هذا بعيد المنال، وإنما لاستعادة دور المجلس المفقود اليوم.

ولتكن أهم عناصر هذا الإصلاح هي أن يسحب النواب المعارضون استجواباتهم لرئيس مجلس الوزراء لمدة سنة أو ستة أشهر على الأقل على أن تلغي الحكومة والمجلس قرار تحصين الرئيس، ويكون الأمر متاحاً لأي استجواب بعد هذه المدة التي يخُتبر فيها أداء الحكومة وتعاون السلطتين، كما يترك المجال للمجلس والحكومة أثناء هذه المدة لاستمرار العمل في الجلسات وفق الأولويات السابقة ويحترم الجميع أحكام الدستور واللائحة، والأهم أن تحترم كل سلطة صلاحيات السلطة الأخرى وقراراتها ما دامت غير مخالفة للدستور، وأن يضرب بيد من القانون على الحسابات المسيئة والتي تشعل الفتنة.

وهذه المدة مطلوبة لأن الوزراء لا يحاسبون دستورياً على عملهم التشريعي ولا على تصويتهم في المجلس ولكن يحاسبون على عملهم التنفيذي وأدائهم في وزاراتهم.

وبعد هذه المدة ومع الالتزام بالدستور ستتضح أمور كثيرة للأعضاء وللشعب بأسره وتكون ممارسة المجلس لصلاحياته بما فيها الاستجواب على بصيرة علمية دون مواقف مسبقة، وذلك من خلال أعمال الوزراء ومدى موافقتها للمصلحة العامة. قال تعالى: "وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً".

● أحمد باقر