كان الخامس من يونيو 1967 يوماً فاصلاً في تاريخ الأمة العربية، وكلنا يعرف لماذا وما جرى في ذلك اليوم الحزين! لكن التفاصيل الصغيرة تبقى بعيداً متوارية، حتى يحين وقتُها، وسط تدافع الأحداث التي تلت ذلك اليوم.

كنت في عامي الأول للدراسة في القاهرة، صحوت يومها وخرجت متوجهاً إلى الكلية، حيث كان اليوم الأخير من العام الدراسي، ويجب أن أؤدي امتحان «التربية العسكرية»، ولم أكن قد استمعت إلى الأخبار أو تحدثت لأحد كي أعلم بما جرى.

Ad

كنت صغير السن منشغلاً بدراستي، ومتابعتي للأحداث تكون وقت اشتعالها وعندما تصبح حديث الجميع! في الحافلة المزدحمة على غير العادة، كان هناك همس بين الركاب، لم أفهم كنهه، أو لأنني لست فضولياً بطبعي، ولا أحب التنصت على ما يدور بين الآخرين من حديث.

علا الهمس قليلاً، ووقع في مسامعي كلمات عن الحرب والطائرات، وأن الإذاعات الغربية تنقل أخباراً عن الجبهة تؤكد انهيار القوات المسلحة المصرية، بل وانسحابها من سيناء، وكذلك سقوط الضفة الغربية وهضبة الجولان السورية، وسط أصوات هامسة تعارض هذا الرأي وتتهم تلك الإذاعات الغربية بالتضليل.

في شارع رمسيس، وبالقرب من مبنى الكاتدرائية، لمحت من نافذة الحافلة، رجلاً على باب دكانه، وهو لتصليح الأحذية القديمة، كما كان مكتوباً على يافطة كبيرة معلقة فوق الباب، وهو يعلق قطعة من ورق مقوى (كرتون) كتب عليها: «قريبا... سنفتح فرعاً آخر في عكا!».

قفز السؤال في رأسي، ماذا يجري حقاً؟ هل هناك حرب تجري الآن؟ إنني ذاهب لأداء الامتحان الأخير من عامي الأول، والوقت صباحاً، وقد حجزت لي مقعداً مع أحد السائقين المتجهين إلى غزة، حيث نتوجه مساء لنصل في الصباح، مثلما أفعل في أيام الإجازات كالأعياد أو غيرها... هل تغير كل شيء؟

أم هناك أخبار مفرحة سنسمعها بعد قليل؟

أمطرتني الأسئلة، ولم أكن قادراً على التوصل إلى إجابة!

بعد رحلة شاقة وسط زحام غير معهود في شوارع القاهرة، وصلت إلى الكلية في حي الزمالك... كل شيء ساكن، وصمت يخيم على كل شيء؛ البنايات، والمحلات، والشجر، والنيل لا يجري وكأنه تجمد.

اتخذت مكاناً قصياً في الكلية، بعيداً عن هتافات الطلاب التي تعلو كلما سمعوا خبراً بإسقط طائرة للعدو، من خلال ما كان يذاع بصوت المذيع الشهير «أحمد سعيد».

تذكرت أن في حقيبتي، التي تلازمني، راديو ترانزيستور صغيراً، أخرجته وبدأت أستمع وكلي خوف ورعب، فقد عشت الحروب منذ كنت صغيراً، بل إنني ولدت في عام النكبة، وقت أن كانت تجري عملية اغتصاب فلسطين على قدم وساق.

في اللحظة التي كان المذيع الشهير يعلن سقوط ثلاث وسبعين طائرة للعدو، كانت تقترب مني زميلة متهللة الوجه مستبشرة وبادرتني بجملة: جهز نفسك يا عم ح تروح بلدكم!

لاحَظَت أنني لم أبتسم أو أشاركها الفرحة التي حملَتها، وسألتني بدهشة: ألم تسمع الأخبار؟!

بصوتي المرتجف أجبتها بسؤال، ولا أدري كيف خطر ببالي: إذا كانت الأخبار تقول إنه تم إسقاط ثلاث وسبعين طائرة للعدو، فهل سألتِ نفسك، كم عدد الطائرات المهاجمة؟ لاشك أنها ثلاثمئة أو أكثر!

بدت الصدمة على وجهها، وانعقد لسانها عن الإجابة!! وتركتني إلى حيث المهللون!

هدأ كل شيء، وصار لابد من التفكير في الخروج من هذه المصيبة، ولكن المفاجأة الأكثر إيلاماً كانت بإعلان الرئيس جمال عبدالناصر تنحّيه عن الحكم... وهذا القرار تفاصيله وردة الفعل عنه معلومة للجميع.

وهكذا كانت النكسة، التي خرجت من رحمها أحداث كبيرة، لعل أهمها ظهور المقاومة الفلسطينية واستعادة الثقة بالنفس تدريجياً، حيث بدأت حرب «الاستنزاف»، كما كان يطلق عليها.

تأتي ذكرى النكسة كل عام، بينما نحن الذين عشناها مازلنا تحت وطأة هذا الحدث الرهيب الذي أصاب الأمة في مقتل لم تنج منه، بل ما تلاه كان بداية التفتت والتشتت والتبعية وما وصلنا إليه بالدخول في مجال العولمة التي سحبت كل ما تربت عليه الأمة من القيم والانتماء!

* كاتب فلسطيني- كندا

● عبد الهادي شلا