بعض الظواهر السياسية عندنا تثير الاشمئزاز وتجعل المرء يكره السياسة وأهلها والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم والغارمين منها واللاهثين خلف أهلها، إذ يكذب بعض السياسيين بطريقة يخجل منها الأطفال، ويمارس ألعاباً صبيانية يزهد فيها المراهقون، ويطمع بفتات يأنف عنه الجائع.

أعرف بعضهم ممن ينادي بالتغيير في الشاردة والواردة، وهو محسوب على بعض ديناصورات السياسة، وأعرف من يعارض الحكومة وفريقها في العلن، ويقتات على موائدها في الغرف المظلمة أو الخفيفة الإضاءة، وأعرف من أفنى عمره السياسي القصير معارضاً ينادي بالتغيير ومحسوباً على بعض جهات المعارضة ثم بدأ ينتقل إلى الكفة الأخرى متأخراً بعد أن طارت الطيور بأرزاقها، وأصبحت الكفة الأخرى حملاً على صاحبها، وأعرف مرشحاً كان صوته المعارض مرتفعاً جداً في فترة الانتخابات، فأصبح صوته مرتفعاً (بزيادة) بعد النجاح ولكن مع الحكومة، وأعرف بعض النواب الذين وعدوا وعاهدوا وأقسموا على بعض الالتزامات الشعبية الضامنة للنجاح، ثم كانوا كأن لم يكونوا، وبانوا قبل أن يبينوا.

Ad

ولو كان هؤلاء (يمكرون سياسة) لقلنا (ميخالف)، فنحن نريد العنب لا الناطور، ونريد نتائج جيدة وإن كانت الأساليب سيئة، ونريد التزاماً بتنفيذ الوعود وإن خلت الطرق المتبعة من حسن السلوك، لكننا أمام حالة من الفوضى التي لا نعرف لها رأساً من ذيل، وعزف سياسي سيئ لا يطرب له ذو طرب ولا يستمع له (سمّيع)، ولعل ذلك يذكرني بنكتة تروى عن الشاعر حافظ إبراهيم الذي كان حاضراً حفلة موسيقية من التي كانت تقام في المقاهي، وكان عزف الفرقة سيئاً للغاية، فطلب من المايسترو في لحظة توقف أن يعزفوا له إحدى المقطوعات التي كانت شهيرة في تلك الفترة، ورد عليه المايسترو بأنهم عزفوها قبل قليل، فما كان من حافظ إلا أن قال: "يا سلام.. على كده تسلطنت وأنا مش واخد بالي".

أعلم أن التغيير الذي حدث في الانتخابات الأخيرة في جزء منه كان هروباً من واقع سيئ أكثر من أن يكون حسن اختيار، لكني على يقين أن الانتخابات القادمة ستكون تصحيحاً لسوء الاختيار، وتحسيناً في جودة المخرجات الجديدة، فالوعي الجماهيري المتحصل في نصف السنة الأخيرة يعادل مجموعة الوعي المتحصل خلال أربع سنوات سبقت، ولذلك فإن الناخب سيغربل الوضع بشكل واعي، لأن بعض المنادين بمطالبات مستحقة اليوم ليسوا ثقات، وبعض الرايات المرفوعة وتنادي بالإصلاح اليوم رايات ضلال.

أنا مع المعارضة الحقيقية دون تردد، لأن الأداء الحكومي بحاجة إلى نسف كامل، لكن لا تخدعني بعض الأصوات الكاذبة التي تستثمر بالخراب وتكره أن تسير الأمور إلى الصواب، لأنها لا تجيد الاستثمار إلا في الخراب، ولذا فإني أتوجس خيفة من كل صوت معارض يشخصن القضايا ولا يكون موضوعياً في نقده، ففساد العمل يدل على فساد العامل، وسوء النتائج تدل على سوء أصحابها، فالفرق شاسع بين الإصلاح وبين الاستثمار فيه، إذ إن بعض المعايير المتبعة مبنية على المصالح الشخصية وإن أُلبست لباساً وطنياً، ولو تبدلت بوصلة المصالح لأصبح بعض المعارضين حكوميين، والشواهد كثيرة من نواب المجلس المبطل الأول الذين كانوا معارضين فصاروا حكومة، ومن المجلس الأخير الذين كانوا حكوميين فصاروا معارضة، فأسوأ ما تعانيه الساحة السياسية الحالية "صيد الغشيم في الماء العكر".

● صالح غزال العنزي