تجاوزت الحسابات السياسية في لبنان أزمة تشكيل حكومة جديدة، فالقوى المختلفة منهمكة بالتفكير في كيفية خوض الانتخابات النيابية لاستعادة الشرعية.

وتأتي التفاصيل لتثبت صحة هذا العنوان العريض، إذ فشلت كل اللقاءات التي عقدت أمس الأول في تحقيق أي خرق في جدار الأزمة الحكومية، فقد «تمتمرس» رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري خلف «حقه الدستوري» بتسمية وزير مسيحي، معتبراً أنه في حال كانت حصة رئيس الجمهورية ميشال عون 8 وزراء، فيجب أن تكون حصة رئيس الحكومة 8 وزراء أيضاً.

Ad

في المقابل، يرفض عون وصهره جبران باسيل أن يسمّي الحريري «السنّي» أيّ وزير مسيحي، بينما بدأت الأزمة تتحول إلى مشكلة شخصية بين الحريري وباسيل الذي بدا أنهما يخوضان «حرب إلغاء» بوجه بضعهما البعض.

هذا الجمود دفع بوفد من حزب الله وحركة أمل إلى زيارة قصر بعبدا مساء أمس الأول للقاء باسيل، في خطوة قرأها مراقبون على أنها مؤشر إلى أن باسيل يتحمّل مسؤولية التعطيل، وأن هناك محاولات لإقناعه بالتسهيل.

وتؤكد مصادر متابعة لمجريات اللقاء أن باسيل رفض تقديم أي تنازل، ووصف مصدر قريب من رئيس مجلس النواب نبيه بري، موقف رئيس «التيار الوطني الحر»، بأنه يخوض المعركة وكأنها معركته الأخيرة، التي ستكون حاسمة بالنسبة إلى مستقبله السياسي، وأنه يعتقد أنه في حال تراجع اليوم أو تنازل أو خسر، فإن السبحة ستكرّ والخسارات ستتراكم، وهو يتخذ من ملف تشكيل الحكومة ورقة أساسية لفرض نفسه لاعباً فاعلاً ووازناً، ويعلم أن هذه الحكومة هي التي قد تقود لبنان في مرحلة ما بعد انتهاء ولاية رئيس الجمهورية، ولذا يريد أن يكون له فيها الثلث المعطل القادر على التحكّم بمساراتها.

ووفق هذا التوصيف، يكون المدخل الوحيد للحل بالنسبة إلى باسيل هو تسوية جديدة مع الحريري، مع العلم بأن بعض الشخصيات التي التقت باسيل أخيراً تنقل عنه قوله إن الحريري قد انتهى سياسياً، وسيجد نفسه فيما بعد بحاجة إلى قوة لبنانية أساسية تنقذه، ويبدو أنه - أي باسيل - يراهن على هذه النقطة لإعادة الحريري إلى أحضانه وأحضان حزب الله بشكل كامل.

في المقابل، لا يبدو الحريري في هذا الوارد، وهو يعتبر أنه بالثبات على موقفه وعدم تقديم أي تنازل، أصبح في موقع جيد وقادر على استعادة شعبيته وتجديد علاقاته بحلفائه الإقليميين والدوليين.

وتؤكد مصادر الحريري أنه ليس في وارد التنازل لمصلحة باسيل، وأن كل الأجواء الإيجابية تهدف إلى تحميله مسؤولية التعطيل فيما المسؤولية الأساسية يتحمّلها رئيس الجمهورية.

وعقد الحريري، أمس، اجتماعات لكتلة المستقبل النيابية، ولهيئة المكتب السياسي في تيار المستقبل، وجرى البحث في كل تطورات ملف تشكيل الحكومة، وطرح الحريري على أعضاء كتلته وتياره بعض الأسئلة، حول الخيارات المطروحة، هل يعتذر ويذهب إلى المعارضة؟ أم يعقد تسوية ويعود رئيساً للحكومة؟ هل يستمر بالتكليف متمسكاً بشروطه إلى نهاية العهد؟ كل الأسئلة لا تزال مطروحة، ولن تجد إجابات سريعة حولها، لكن مصادر كتلة المستقبل أكدت أن آراء أعضاء الكتلة كانت متفاوتة، بعضهم أراد الاعتذار والدخول في جبهة معارضة واسعة تحضر للانتخابات، أما البعض الآخر فقد فضّل البقاء على الموقف نفسه، وهناك قلّة أرادت الذهاب الى تسوية جديدة، وتوجهت إلى الحريري بالقول: «إنها تؤيده مهما كان قراره وستكون إلى جانبه».

في هذه الأثناء، تتواصل الاتصالات بحثاً عن مخارج، مع تأكيد مختلف الوسطاء أن الوقت داهم، ولا مجال لإضاعته أكثر، ومن المفترض أن تظهر النتائج في فترة قريبة جداً.

كل هذه التطورات والوقائع دفعت مصادر دبلوماسية عربية للقول لـ «الجريدة» إن ما يجري من مشاورات في لبنان لا يوحي الخير، ولا يبشّر إلا باستمرار غرق القوى السياسية في حساباتها الشخصية والمصلحية، مع العلم بأن هكذا مشاورات وإن أدت إلى ولادة حكومة - مع العلم بأن ذلك مستبعد - لن يؤدي إلى حلّ أي مشكلة من مشاكل اللبنانيين، إنما ستستغلها القوى السياسية لخوض الانتخابات وترتيب النتائج.

وتؤكد المصادر الدبلوماسية أن همّ المجتمع الدولي حالياً يركّز على بندين أساسيين: الحفاظ على الاستقرار، والاهتمام بالانتخابات النيابية، وما ستفرزه من نتائج تتشكل على أساسها حكومة جديدة تقوم بمهمة الإصلاح الاقتصادي. وتجزم هذه المصادر بأنه لا مساعدات للبنان قبل إنجاز هذه الاستحقاقات.

هذا الاهتمام بالانتخابات يفتح شهية الكثيرين في لبنان على تشكيل حكومة مهمة انتخابية، تشرف على الانتخابات وتديرها، لدى إعلان جميع الوسطاء الفشل في محاولات تشكيل حكومة حالياً، فإن الأنظار ستتجه إلى تشكيل حكومة انتخابات، قد بدأ الحديث يدور حولها في الكواليس.

● بيروت - منير الربيع