ذكرنا، في مقال سابق، أن حل الأزمة الإسكانية هو المدخل لإصلاح مالية الدولة وضمان استدامتها، لأنها أكبر هموم الشباب الكويتيين الذين يشكلون أغلبية المواطنين.

فتقليل الإنفاق العام مقدم على تنويع مصادر الدخل لأنه مُبالغ فيه أصلا، وأغلبه نتيجة إقرار الكوادر والزيادات المالية في مؤسسات الدولة بشكل فوضوي وعشوائي، والتي أدت إلى زيادة بند الرواتب في الميزانية لأكثر من خمس مرات خلال أقل من عشرين سنة. فأزمة شح السيولة ستستمر ما دام القطاع العام يهيمن على الوظائف والاقتصاد والخدمات، وأمامنا أكثر من 400 ألف مواطن قادمين لسوق العمل، بينما الأجهزة الحكومية تعاني أصلا تخمة في الموظفين والبطالة المقنّعة.

Ad

وهذا يعني أننا أمام قرارات صعبة وغير شعبية يجب أن تتخذ لأننا بحاجة إلى تخفيض حجم القطاع العام ككل، عبر خصخصة بعض القطاعات الخدمية بشكل ذكي، وفتح المجال للمواطنين في العمل بالقطاع الخاصة والأعمال الحرة، وأيضا تحويل وزارات الدولة إلى مؤسسات مستقلة يتم محاسبتها على كفاءتها وسهولة الأعمال فيها وعدد موظفيها، وذلك لتخفيض بند الرواتب بالميزانية وتسهيل الأعمال وفك التشابك بين أجهزة الدولة.

لكن قبل أن نطلب من المواطنين ترك وظائفهم الحكومية والاتجاه للعمل الحر والقطاع الخاص، يجب على الدولة أن تعالج عددا من المشاكل التي يئن منها المواطن البسيط وتجعله يتمسك بالوظيفة الحكومية، وعلى رأسها قضية السكن وشح توافر الأراضي للأغراض الصناعية والتجارية. فإن أردنا توجيه الشباب للأعمال الحرة والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، فمن الضروري توفير الأراضي والمساحات بأسعار معقولة لتشجيعهم على خوض هذا الغمار. وحسب المادة 10 من قانون 98/ 2013 في شأن الصندوق الوطني لرعاية وتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة، فإنه يجب على الدولة تخصيص مساحة إجمالية تبلغ خمسة ملايين مترا مربعا، لرعاية مشاريع الصندوق، لكن إلى الآن لم يتم توفير إلا جزء بسيط من هذه المساحة.

ولعل أهم أسباب تعثّر الكثير من المشاريع الصغيرة خلال الجائحة، ارتفاع أسعار إيجار المساحات.

وهناك العديد من الشباب يعملون فعليا بالمهن الفنية، مثل الحدادة والنجارة وغيرها من المهن، لكن تنقصهم الحاضنة والأرض بأسعار معقولة حتى يحولوا تلك الأعمال الجانبية إلى أعمال رئيسة لهم بعيدا عن الوظيفة الحكومية.

أما إذا أتينا لأزمة السكن، فسنجد أن أسعار العقار ما زالت مستمرة في تصاعدها الجنوني لعدة أسباب، أهمها شحّ المعروض بسبب تقاعس الحكومات السابقة عن توفير الأراضي، بما يتناسب مع ازدياد الطلبات، وبعدما تحولت المناطق السكنية تدريجيا إلى مناطق استثمارية، وعدم وجود قوانين تحدّ من الاحتكار والمضاربة.

وهناك عدة أمور يجب أن تحدث لعلاج هذه الأزمة، لكن الحكومة طرحت، حتى الآن، آخر هذه الحلول أهمية، وهو قانون التمويل العقاري للسكن الخاص. قد نتفهم أهمية هذا القانون بشكل عام (مع بعض الملاحظات عليه) خاصة مع شحّ سيولة بنك الائتمان وعدم قدرته على توفير القروض للجميع في المستقبل القريب، لكن هناك حلولا أخرى تحتاج إلى أن تكون أولوية لدى الحكومة إن كانت جادة فعلا في وضع حلول جذرية لهذه المشكلة المزمنة، ونلخصها في التالي:

أولا: تغيير السياسة الإسكانية جذريا، وذلك بتوفير المزيد من الأراضي للمشاريع الإسكانية، وفتح الباب للمطورين العقاريين العالميين لكي يقوموا هم بإعمارها وترتيبها وتوفير البنية التحتية لها وبيعها بأسعار معقولة لقائمة المنتظرين، بدلا من أن تحمل الدولة على عاتقها تنفيذ كل هذه المشاريع.

ومن مزايا هذه السياسة توفير أموال الدولة، وفتح الباب لإبداع المطورين في تصميم المناطق والمنازل والخدمات والمساحات الخضراء وممرات المشاة وغيرها من الأمور التيت عانيها المناطق الحالية.

ويمكن لهؤلاء المطورين أن يطرحوا عدة نماذج للسكن، مثل الشقق في عمارات سكنية عصرية، والمنازل المتوسطة الحجم (Town Houses)، وأخيرا المنازل الكبيرة. وبذلك تستطيع الأسرة في بدايتها شراء شقة، ومن ثم بيعها وشراء منزل متوسط الحجم مع زيادة عدد الأطفال، وأخيرا الانتقال إلى منزل كبير.

وبذلك تستطيع هذه الأسرة دفع أقساطها منذ البداية على تملّك أصل قابل للبيع، بدلا من الوضع الحالي الذي تضطر فيه الأسرة إلى السكن في شقق صغيرة لسنوات طويلة وإضاعة عشرات الآلاف من أموالها على الإيجار، لتنتقل بعدها مباشرة إلى منزل كبير.

ولعل الحكومة كانت ماضية باتجاه الاعتماد على المطور العقاري، وذلك بتجربة الاتفاق مع الحكومة الكورية على إنشاء مدينة ذكية بجنوب سعد العبدالله بالكامل، لكن مع الأسف يبدو أنها تراجعت عن ذلك أخيرا تحت ضغط عدد من النواب الفاشلين، غير عابئة بتكلفة ذلك التراجع سلبيا على سمعتنا الدولية.

وهذا المشهد يلخّص ما نعانيه حاليا من أزمة قرار في البلد، وهي وجود نواب يدعون الإصلاح لكنهم في الحقيقة عائق له، وحكومة تخضع لأقل ضغط ولا تدافع عن قراراتها.

ثانيا: فرض رسوم عالية على امتلاك المواطن لأكثر من مساحة إجمالية معيّنة في العقار السكني حتى يضطر لبيعها، فمن غير المعقول أن يمتلك بعض الأغنياء وبعض الورثة أعدادا مهولة من الأراضي والعقارات وبمساحات تصل إلى آلاف الأمتار المربعة بينما أغلبية المواطنين لا يملكون حتى مترا مربعا واحدا!

فمن يريد الاستثمار فليتوجه للعقارين الاستثماري والتجاري، أما العقار السكني فيجب أن يبقى سكنيا فقط، لأنه مرتبط بمعيشة واستقرار كل الأسر الكويتية، وهذا يتطلب أيضا أن تكون المزادات فقط لأصحاب الطلبات القائمة لدى الهيئة العامة للإسكان، لا كما هو حاصل حاليا من مشاركة بعض السماسرة بهذه المزادات، مدعومين برؤوس أموال خاصة أو من البنوك، لكن بصورة شخصية!

ثالثا: منع البنوك من تمويل شراء العقارات والأراضي في السكن الخاص والنموذجي لأي مواطن يملك منزلا. فهذه الظاهرة أيضا ساهمت في ارتفاع الأسعار بشكل مصطنع وزيادة الاحتكار وتحويل المناطق السكنية إلى استثمارية وما يرافق ذلك من سلبيات. وهي ظاهرة ليست مقتصرة على الكويت فقط، فقد ذكر الصحافي جورج مونبيوت في مقاله "هل تريد معالجة عدم المساواة؟ لنتحدث عن قوانين ملكية الأراضي"، بصحيفة الغارديان في 2019 بأن تحوّل تركيز قروض البنوك البريطانية إلى السوق السكني ساهم في تضخم الأسعار، إضافة إلى قوانين ضريبية تضر الفقراء وتنفع الأغنياء وتسهّل لهم الاستحواذ على الأراضي.

إن تحرير الأراضي؛ سواء لحل أزمة السكن الخاص أو لتوفير أراض لأعمال الشباب الحرة ومشاريعهم الصغيرة هو المدخل لأي إصلاح جذري في البلد، يخفض فيه الإنفاق العام ويوجه الشباب نحو القطاع الخاص والعمل الحر وتعديل التركيبة السكانية لضمان استدامة مالية الدولة وحفظها للأجيال القادمة. وتفرغ المجلس والحكومة لحلّ هذا الملف أفضل من استمرار إضاعة الوقت في جدال ومناكفات سياسية طفولية وبطولات وهمية غير مسؤولة.

● حسن مصطفى الموسوي