هناك دروس يتعين تعلمها من الأحداث المأساوية التي مر بها الصراع الإسرائيلي الفلسطيني لكل من له «عينان فلينظر ومن له أذنان سامعتان فليسمع»، ودعنا نورد هنا بعضاً منها، فبعد التوقيع على اتفاقات سلام مع عدد من الدول العربية، شاع اعتقاد لدى كثيرين في إسرائيل ولدى أنصارهم في الغرب بأن الصراع قد انتهى، وليس الأمر هكذا، والواضح أن «مشكلة» إسرائيل كانت دوماً رفض حقوق الشعب الفلسطيني، وربما افترضت إسرائيل أنه مع وجود اتفاقات السلام ووقوف الولايات المتحدة إلى جانبها، وشيوع حالة من الفوضى في السياسة الفلسطينية، قد أصبحت الآن تتمتع بحرية فرض إرادتها، لكن إسرائيل فعلت هذا كثيراً في الماضي، وقلل الإسرائيليون من قيمة عزيمة الشعب الفلسطيني.

ومع تفاوض كل من نتنياهو وخصومه مع الأحزاب العربية داخل إسرائيل أملاً في تشكيل حكومة ائتلافية، اعتقد الخبراء الإسرائيليون أن المواطنين الفلسطينيين داخل دولة إسرائيل «نضجوا» ولم يعودوا يبالون بالشعب الفلسطيني أو لم يعودوا ينسبون أنفسهم له، وليس الأمر هكذا أيضاً، فالاحتجاجات التي أمسكت بتلابيب مدن إسرائيل رداً على عمليات الإخلاء المزمعة من حي الشيخ جرّاح، في نطاق مدينة القدس الشرقية، وهجوم الشرطة على الحرم الشريف وقصف غزة، كل هذا جعل من الواضح أن معظم الفلسطينيين يعتبرون أنفسهم جزءاً من شعب غير قابل للانقسام.

Ad

وحين أصدرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» تقريرها الذي اتهم إسرائيل بجرائم الاضطهاد ضد الفلسطينيين، أشار منتقدون ليبراليون في الولايات المتحدة إلى أن التقرير بالغ في الأمر، وكان يجب ألا يتضمن سياسة إسرائيل فيما يتعلق بالمواطنين العرب الفلسطينيين، وليس الأمر هكذا، فما يجري في حي الشيخ جرّاح يعد استهدافاً عرقياً «لأسباب ديمغرافية» والفقر والبطالة التي يعانيها الفلسطينيون نتيجة حصار مدينة القدس والسلوك التمييزي للشرطة في القدس والمدن الإسرائيلية وشعارات المتطرفين التي تطالب بـ«الموت للعرب»، كل هذا جعل من الواضح أن إسرائيل دولة قومية تُفضل جماعة على حساب جماعة أخرى هم «الفلسطينيون».

وسعت إدارة بايدن إلى تجنب التدخل المباشر في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وحاولت الإدارة القيام بهذا بتصريحات تعارض استيطان وضم الأراضي، وعبرت عن إيمانها «بالأهمية المتساوية لحياة الإسرائيليين والفلسطينيين»، وفي الوقت نفسه تعهدت «بدعم لا يتزعزع لإسرائيل» ورفضت تعليق المساعدات الأميركية كنوع من الرد على سلوك إسرائيل، ولم تدرك الإدارة الأميركية أن هذه تصريحات متعارضة، وحين أعلنت إسرائيل إجلاء السكان وتوسع الاستيطان في القدس وحولها، اكتفت الإدارة بالتعبير عن «القلق العميق»، ولم تبال إسرائيل بهذه التصريحات، وما دام أن الولايات المتحدة لا تُخضع إسرائيل للمساءلة عن تصرفاتها ولا تصر على أن تدفع ثمناً لسوء تصرفاتها، ستواصل إسرائيل تحركاتها متمتعة بحصانة ولن تبالي بـ«المخاوف» الأميركية.

وأنصار إسرائيل يؤكدون أن هناك دعماً من الحزبين لتصرفات الدولة العبرية، مشيرين إلى خطابات دعم من أغلبية أعضاء الكونغرس كدليل، وهذا تفكير بالتمني، وفي الوقت نفسه خطير، صحيح أن أنصار إسرائيل ما زالوا «يسيطرون على التلة لكنهم يخسرون الأرض حولها»، خاصة وسط «الديمقراطيين»، فهناك عشرات من الأعضاء «الديمقراطيين» في مجلسي الشيوخ والنواب انتقدوا بشدة التصرفات الإسرائيلية والاستجابة المترددة من إدارة بايدن، وكثيرون يطالبون بفرض شروط على المساعدات الأميركية لإسرائيل، وهذا يعكس تغيرات كبيرة في توجهات الناخبين الأميركيين تجاه إسرائيل وسياساتها. وهناك غالبية من «الديمقراطيين» يعارضون حالياً المستوطنات الإسرائيلية ويريدون أن تضغط الولايات المتحدة على إسرائيل كي تغير من سياساتها، ويؤيدون اشتراط تعليق المساعدات الأميركية لإسرائيل على أساس معاملتها للشعب الفلسطيني، وهذا قد يكون بسبب التغيرات في توجهات الأميركيين السود والمتحدرين من أميركا اللاتينية والشباب والنساء المتعلمات وهي جماعات محورية من الناخبين «الديمقراطيين»، وإذا ظلت مؤسسة الحزب «الديمقراطي» تتجاهل هذه التغيرات، فانها تغامر سياسياً، لقد أصبحنا، إذاً، مرة أخرى، في معمعة حرب ستزهق أرواحاً كثيرة وتتسبب في معاناة عدد أكبر، وفي النهاية لن تحسم شيئاً، وهناك دروس يتعين تعلمها من هذا الصراع لمن كان له «عينان رائيتان فلينظر ومن له أذنان سامعتان فليسمع».

* رئيس المعهد العربي الأميركي في واشنطن.

جيمس زغبي