ولما كانت الليلة الحادية والخمسون بعد السبعمئة، قالت شهرزاد: بلغني أيها الملك السعيد، أن بنت الملك قالت لأبيها: إن زوجي جاءه مكتوبٌ من أتباعه مضمونه: أن العرب منعونا عن الطريق وهذا سبب تأخيرنا عنك، وقد أخذوا منا مئتي حمل، وقتلوا منا خمسين مملوكاً، فلما بلغه الخبر قال: خيبهم الله كيف يتحاربون لأجل مائتي حمل بضاعة، وما مقدار مئتي حمل فما كان ينبغي لهم أن يتأخروا من أجل ذلك، فإن قيمة المئتي حمل سبعة آلاف دينارٍ، لكن ينبغي أن أروح إليهم وأستعجلهم، والذي أخذه العرب لا تنقص به الحملة ولا يؤثر عندي شيئاً، وأقدر أني تصدقت به عليهم، ثم نزل من عندي ضاحكاً ولم يغتم على ما ضاع من ماله ولا على قتل مماليكه، ولما نزل نظرت من شباك القصر فرأيت العشرة مماليك الذين أتوا له بالكتاب كأنهم الأقمار، كل واحدٍ منهم لابس بدلة تساوي ألف دينار،ٍ وليس عند أبي مملوك يشبه واحداً منهم، ثم توجه مع المماليك الذين جاءوا له بالمكتوب ليجيء بحملته، والحمد لله الذي منعني أن أذكر له شيئاً من هذا الكلام الذي أمرتني به، فإنه كان يستهزئ بي وبك، وربما كان يراني بعين النقص ويبغضني، ولكن العيب كله من وزيرك الذي يتكلم في حق زوجي كلاماً لا يليق به.

Ad

لوم الوزير

فقال الملك: يا بنتي أن مال زوجك كثير ولا يفكر في ذلك، ومن يوم دخل بلادنا وهو يتصدق على الفقراء، وإن شاء الله عن قريبٍ يأتي بالحملة ويحصل لنا منه خيرٌ كثيرٌ، وصار يأخذ بخاطرها ويوبخ الوزير وانطلت عليه الحيلة، هذا ما كان من أمر الملك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

حيرة معروف

وفي الليلة الثانية والخمسين بعد السبعمئة، قالت شهرزاد: وأما ما كان من أمر التاجر معروف ، فإنه ركب الجواد وسار في البر الأقفر وهو متحير لا يدري إلى أي البلاد يروح، وصار من ألم الفراق ينوح وقاسى الوجد واللوعات، وبكى بكاءً شديداً، وقد انسدت الطرقات في وجهه، واختار الممات على الحياة، ثم إنه مشى كالسكران من شدة حيرته ولم يزل سائراً إلى وقت الظهر، حتى أقبل على بلدةٍ صغيرةٍ فرأى رجلاً حراثاً قريباً منه يحرث على ثورين، وكان قد اشتد به الجوع فقصد الحراث، وقال له: السلام عليكم فرد عليه السلام، وقال: مرحباً بك يا سيدي هل أنت من مماليك السلطان؟، قال: نعم قال: انزل عندي للضيافة فعرف أنه من الأجاويد، فقال له: يا أخي ما أنا ناظرٌ عندك شيئاً حتى تطعمني إياه فكيف تعزم علي؟ فقال الحراث: يا سيدي الخير موجودٌ أنزل أنت، وها هي البلدة قريبةٌ وأنا ذاهب وآتي لك بغداءٍ وعليق لحصانك، قال: حيث كانت البلدة قريبةٌ فأنا أصل إليها في مقدار ما تصل أنت إليها واشتري مرادي من السوق وآكل، فقال له: يا سيدي إن البلدة صغيرةً وليس فيها سوق ولا بيع ولا شراء، سألتك بالله أن تنزل عندي وتجبر بخاطري، وأنا ذاهب إليها وأرجع إليك بسرعةٍ فنزل، ثم إن الفلاح تركه وراح البلد ليجيء له بالغداء.

الكنز

قعد معروف ينتظر الحراث، ثم قال في نفسه: إنا شغلنا هذا الرجل المسكين عن شغله، ولكن أنا أقوم وأحرث عوضاً عنه حتى يأتي في نظير عوقته عن شغله، ثم أخذ المحراث وساق الثيران فحرث قليلاً، وعثر المحراث في شيءٍ فوقعت البهائم فساقها فلم تقدرعلى المشي، فنظر إلى المحراث فرآه مشبوكاً في حلقةٍ من الذهب، فكشف عنها التراب فوجد تلك الحلقة في وسط حجرٍ من المرمر قدر قاعدة الطاحون فعالج فيه حتى قلعه من مكانه، فبان من تحته طبق بسلالم، فنزل في تلك السلالم فرأى مكاناً مثل الحمام بأربعة لواوين: الليوان الأول ملآن من الأرض إلى السقف بالذهب، والليوان الثاني ملآن زمرداً ولؤلؤاً ومرجاناً من الأرض إلى السقف، والليوان الثالث ملآن ياقوتاً وبلخشاً وفيروزاً، والليوان الرابع ملآن بالماس ونفيس المعادن من سائر أصناف الجواهر، وفي صدر ذلك المكان صندوق من البلور الصافي ملآن بالجواهر اليتيمة، التي كل جوهرةٍ منها قدر الجوزة، وفوق ذلك الصندوق علبةً صغيرةً قدر الليمونة وهي من الذهب.

فلما رأى ذلك تعجب وفرح فرحاً شديداً، وقال: يا هل ترى أي شيءٍ في هذه العلبة، ثم أنه فتحها فرأى فيها خاتماً من الذهب مكتوباً عليه أسماء وطلاسم مثل دبيب النمل، فدعك الخاتم وإذا بقائلٍ يقول: لبيك لبيك يا سيدي فأطلب تعط هل تريد أن تعمر بلداً وتخرب مدينةً أو تقتل ملكاً أو تحفر نهراً أو نحو ذلك فمهما طلبته فأنه قد صار بأذن الملك الجبار خالق الليل والنهار. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

أعوان

وفي الليلة الثالثة والخمسين بعد السبعمئة، قالت شهرزاد: بلغني أيها الملك السعيد،إن معروف قال للجني: يا مخلوق ربي من أنت ومن تكون؟ قال: أنا خادم هذا الخاتم القائم بخدمة مالكه فمهما طلبه من الأغراض قضيته له، ولا عذرٌ لي فيه يأمرني به فأني سلطانٌ على أعوانٍ من الجان، وعدة عسكرية اثنتين وسبعين قبيلةً، كل قبيلةٍ عدتها اثنتان وسبعون ألفاً، وكل واحدٍ من الألف يحكم ألف ماردٍ، وكل ماردٍ يحكم على ألف عونٍ، وكل عون يحكم على ألف جني وكلهم من تحت طاعتي ولا يقدرون على مخالفتي، وأنا مرصود لهذا الخاتم لا أقدر على مخالفة من ملكه، وها أنت من ملكته وصرت أنا خادمك، فأطلب ما شئت فأني سميعٌ لقولك مطيعٌ لأمرك، وإذا احتجت إلي في أي وقتٍ في البر والبحر فإدعك الخاتم تجدني عندك، وإياك أن تدعكه مرتين متواليتين فتحرقني بنار الأسماء وتعدمني وتندم علي بعد ذلك، وقد عرفتك بحالي والسلام. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

كنز شداد

وفي الليلة الرابعة والخمسين بعد السبعمئة، قالت شهرزاد: بلغني أيها الملك السعيد، إن خادم هذا الخاتم لما أخبر معروفاً بأحواله قال معروف: ما اسمك؟ قال: اسمي أبو السعادات فقال له: يا أبا السعادات ما هذا المكان ومن أرصد في هذه العلبة؟، قال له: يا سيدي هذا المكان كنزٌ يقال له كنز شداد بن عاد الذي عمر إرم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد، وأنا كنت خادمه في حياته وهذا خاتمه وقد وضعه في كنزه ولكنه نصيبك، فقال له معروف: هل تقدر أن تخرج ما في هذا الكنز على وجه الأرض؟ قال: نعم أسهل ما يكون قال: أخرج جميع ما فيه ولا تبق منه شيئاً، فأشار بيده إلى الأرض فانشقت ثم نزل وغاب مدةً لطيفةً وإذا بغلمانٍ صغارٍ بوجوهٍ حسانٍ قد خرجوا وهم يحملون مشناتٍ من الذهب، وتلك المشنات ممتلئةً ذهباً وفرغوها، ثم راحوا وجاءوا بغيرها، وما زالوا ينقلون من الذهب والجواهر فلم تمض ساعةً حتى قالوا: ما بقي في الكنز شيءٌ ثم طلع له أبو السعادات وقال له: يا سيدي قد رأيت أن جميع ما في الكنز قد نقلناه، فقال له: ما هذه الأولاد الحسان؟ قال: هؤلاء أولادي لأن هذه الشغلة لا تستحق أن أجمع لها الأعوان، وأولادي قضوا حاجتك وتشرفوا بخدمتك، فاطلب ما تريد غير هذا، قال له: هل تقدر أن تجيء لي ببغالٍ وصناديقٍ وتحط هذه الأموال في الصناديق وتحمل الصناديق على البغال؟ قال: هذا أسهل ما يكون.

ثم أنه زعق زعقةً عظيمةً فحضر أولاده بين يديه وكانوا ثمانمئة فقال لهم: لينقلب بعضكم في صورة البغال، وبعضكم في صورة المماليك الحسان الذين أقل من فيهم لا يوجد مثله عند ملك الملوك، وبعضكم في صورة المكارية، وبعضكم في صورة الخدامين، ففعلوا كما أمرهم، ثم صاح على الأعوان فحضروا بين يديه، فأمرهم أن ينقلب بعضهم في صورة الخيل المسرجة بسروج الذهب المرصع بالجواهر.

أحمال الأقمشة

فلما رأى معروف ذلك قال: أين الصناديق فأحضروها بين يديه، قال: عبوا الذهب والمعادن كل صنفٍ وحده، فعبوها وحملوها على ثلاثمئة بغلٍ، فقال معروف: يا أبا السعادات هل تقدر أن تجيء لي بأحمالٍ من نفيس القماش؟ قال: أتريد قماشاً مصرياً أو شامياً أو عجمياً أو هندياً؟ قال: هات لي من قماش كل بلدةٍ مئة حملٍ على مئة بغلٍ، قال: يا سيدي أعطني مهلةً حتى أرتب أعواني بذلك أو آمر كل طائفةٍ أن تروح إلى بلدٍ لتجيء بمئة حملٍ من قماشها، وينقلب الأعوان في صورة البغال ويأتون حاملين البضائع، قال: ما قدر زمن المهلة؟ قال: مدة سواد الليل فلا يطلع النهار إلا وعندك جميع ما تريد، قال: أمهلك هذه المدة ثم أمرهم أن ينصبوا له خيمةً فنصبوها، وجلس وجاءوا له بسماطٍ، وقال له أبو السعادات: يا سيدي، اجلس في الخيمة وهؤلاء أولادي بين يديك يحرسونك ولا تخشى من شيء، وأنا ذاهب أجمع أعواني وأرسلهم ليقضوا حاجتك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

خدم وحشم

وفي الليلة الخامسة والخمسين بعد السبعمئة، قالت شهرزاد: بلغني أيها الملك السعيد، أن أبا السعادات ذهب إلى حال سبيله، وجلس معروف في الخيمة والسماط قدامه وأولاد أبي السعادات بين يديه في صورة المماليك والخدم والحشم، فبينما هو جالسٌ على تلك الحالة وإذا بالرجل الفلاح قد أقبل وهو حاملٌ قصعة عدس كبيرة ومخلاة ممتلئة شعيراً، فرأى الخيمة منصوبة والمماليك واقفةٌ وأيديهم على صدورهم، فظن أن السلطان أتى ونزل في ذلك المكان، فوقف باهتا، وقال في نفسه: يا ليتني كنت ذبحت فرختين وحمرتهما بالسمن البقري من شأن السلطان.

وأراد أن يرجع ليذبح فرختين يضيف بهما السلطان، فرآه معروف فزعق عليه، وقال للمماليك: أحضروه فحملوه هو وقصعة العدس وأثوابهما قدامه، فقال له: ما هذا؟ قال: هذا غذاؤك وعليق حصانك، فلا تؤاخذني فإني ما كنت أظن أن السلطان يأتي إلى هذا المكان، ولو علمت بذلك كنت ذبحت له فرختين وضيفته ضيافةً مليحةً، فقال له معروف: إن السلطان لم يجيء وإنما أنا نسيبه وكنت مغبوناً منه، وقد أرسل إلى مماليكه فصالحوني، وأنا الآن أريد أن أرجع إلى المدينة، وأنت قد عملت لي هذه الضيافة على غير معرفةٍ وضيافتك مقبولة ولو كانت عدساً فأنا ما آكل إلا من ضيافتك.

مكافأة الفلاح

ثم أمره بوضع القصعة في وسط السماط وأكل منها حتى أكتفي، وأما الفلاح فأنه ملآ بطنه من تلك الألوان الطيبة، ثم أن معروفاً غسل يديه وأذن للمماليك في أكل فنزلوا على بقية السماط وأكلوا، ولما فرغت القصعة ملآها ذهباً وقال له: أوصلها إلى منزلك وتعال عندي في المدينة وأنا أكرمك، فتناول القصعة ملآنةً ذهباً وساق الثيران وذهب إلى بلده وهو يظن أنه نسيب الملك.

وبات معروف تلك الليلة في أنسٍ وصفاءٍ، وجاءوا له ببناتٍ من عرائس الكنوز فدقوا آلات الطرب ورقصوا قدامه وقضى ليلته وكانت تعد من الأعمار. وأدرك شهزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

التختروان

وفي الليلة السادسة والخمسين بعد السبعمئة، قالت شهرزاد: بلغني أيها الملك السعيد، لما أصبح الصباح لم يشعر معروف إلا والغبار قد علا وطار، وانكشف عن بغالٍ حاملةٍ أحمالاً، وهي سبعمئة بغلٍ حاملةً أقمشةً وحولها غلمان مكارية وعكامة وضوية، وأبو السعادات راكبٌ على بغلةٍ وهو في صورة مقدم الحملة، وقدامه تختروان له أربع عساكر من الذهب الوهاج مرصعةً بالجواهر.

فلما وصل إلى الخيمة نزل من فوق ظهر البغلة وقبل الأرض وقال: يا سيدي ان الحاجة قضيت بالتمام والكمال، وهذا التختروان فيه بدلةً كنوزيةً لا مثيل لها من ملابس الملوك فالبسها وأركب في التختروان ومُرنا بما تريد.

كتاب للملك

فقال له معروف: مرادي أن أكتب لك كتاباً تروح به إلى مدينة خيتان أختن، وتدخل على عمي الملك ولا تدخل عليه إلا في صورة ساعٍ أنيسٍ، فقال له سمعاً وطاعةً.

فكتب كتاباً وختمه، فتناوله أبو السعادات وذهب به حتى وصل إلى الملك فرآه يقول: يا وزيري إن قلبي على نسيبي وأخاف أن يقتله العرب، يا ليتني كنت أعرف أين ذهب حتى كنت أتبعه بالعسكر، ويا ليته كان قد أعلمني بذلك قبل الذهاب.

فقال له الوزير: الله تعالى يلطف بك على هذه الغفلة التي أنت فيها، وحياة رأسك أن الرجل عرف أننا انتبهنا له فخاف من الفضيحة وهرب، وما هو إلا كذابٌ نصابٌ، وإذا بالساعي داخلٌ، فقبل الأرض بين يدي الملك ودعا له بدوام العز والنعم والبقاء، فقال له الملك: من أنت وما حاجتك؟ فقال له: أنا ساعٍ أرسلني إليك نسيبك وهو مقبل بالحملة وقد أرسل معي كتاباً وها هو، فأخذه وقرأه فرأى فيه: وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

تكذيب الوزير

وفي الليلة السابعة والخمسين بعد السبعمئة، قالت شهرزاد: بلغني أيها الملك السعيد، إن الملك أخذ الكتاب وقرأه وفهم رموزه ومعناه، فرأى فيه: من بعد مزيد السلام على عمنا الملك العزيز، فأني جئت بالحملة فأطلع وقابلني بالعسكر، فقال الملك: سود الله وجهك يا وزير كم تقدح في عرض نسيبي، وتجعله كذاباً نصاباً وقد أتى بالحملة فما أنت إلا خائنٌ.

فأطرق الوزير رأسه على الأرض حياءً وخجلاً وقال: يا ملك الزمان أنا ما قلت هذا الكلام إلا لطول غياب الحملة، وكنت خائفاً على ضياع المال الذي صرفه، فقال له الملك: يا خائن أي شيءٍ أموالي حيثما أتت الحملة فإنه يعطيني عوضاً عنها شيئاً كثيراً.

ثم أمر الملك بزينة المدينة، وذهب إلى ابنته وقال لها: لك البشارة أن زوجك عن قريبٍ يجيء بحملته، وقد أرسل مكتوباً بذلك وها أنا طالعٌ لملاقاته، فتعجبت البنت من هذه الحالة، وقالت في نفسها: إن هذا شيءٌ عجيبٌ هل كان يهزأ بي ويتمسخر علي، أو كان يختبرني حين أفادني بأنه فقيرٌ؟ ولكن الحمد لله حيث لم يقع في حقة تقصيراً،وهذا ما كان من أمره.

ستر العيوب

وأما ما كان من أمر التاجر علي المصري فأنه لما رأى الزينة سأل عن سبب ذلك فقالوا له: أن التاجر معروف نسيب الملك قد أتت حملته فقال: الله أكبر ما هذه الداهية أنه قد أتاني هارباً من زوجته وكان فقيراً فمن أين جاءت له حملة؟ ولكن لعل بنت الملك دبرت له حيلةً خوفاً من الفضيحة والملوك لا يعجزون عن شيء، فالله تعالى يستره ولا يفضحه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

توزيع الهدايا

وفي الليلة الثامنة والخمسين بعد السبعمئة، قالت شهرزاد: بلغني أيها الملك السعيد، إن التاجر علي لما سأل عن الزينة أخبروه بحقيقة الحال فدعا له وقال: الله يستره ولا يفضحه، وسائر التجار فرحوا وإنسروا لأجل أخذ أموالهم، ثم أن الملك أمر بجمع العسكر وطلع، وكان أبو السعادات قد رجع إلى معروفٍ وأعلمه بأنه بلغ الرسالة، فقال له معروف: حملوا، فحملوا ولبس البدلة الكنوزية وركب التختروان، وصار أعظم وأهيب من الملك بألف مرةٍ، ومشى إلى نصف الطريق، وإذا بالملك قابله بالعسكر، فلما وصل إليه رآه لابساً تلك البدلة وراكباً في التختروان، حياه بالسلام وجميع أكابر الدولة سلموا عليه، وبان معروف صادق ولا كذب عنده، ودخل المدينة بموكبٍ يفقع مرارة الأسد، وسعى إليه التجار وقبلوا الأرض بين يديه.

ثم أن التاجر علي قال له: قد عملت هذه العملة وطلعت يا شيخ النصابين ولكن يستاهل فالله تعالى يزيدك من فضله، فضحك معروف، ولما دخل السرايا قعد على الكرسي وقال: ادخلوا حمال الذهب في خزانة عمي الملك، وهاتوا أحمال الأقمشة فقدموها وصار يفتحونها حملاً بعد حملٍ ويخرجون ما فيها حتى فتحوا السبعمئة حمل فنقى أطيبها وقال: أدخلوه للملكة لتعرفه على جواريها، وخذوا هذا الصندوق والجواهر وأدخلوه لها لتفرقه على الجواري والخدم، وصار يعطي التجار الذين لهم عليه دينٌ من الأقمشة في نظير ديونهم، والذي له ألف يعطيه قماشاً يساوي ألفين أو أكثر، وبعد ذلك صار يفرق على الفقراء والمساكين، والملك ينظر بعينيه ولا يقدر أن يعترض عليه، ولم يزل يعطي ويهب حتى فرق السبعمئة حمل، ثم التفت إلى العسكر وجعل يفرق عليهم معادن وزمرداً ويواقيت ولؤلؤاً ومرجاناً، وصار لا يعطي الجواهر إلا بالكبشة من غير عددٍ.

الجريدة - القاهرة