تزاحمت أفكاري وتاه عقلي بين صمود أبناء فلسطين المحتلة وعزيمتهم وتضحياتهم وبين الشامتين والمتصهينين من بعض العرب إن كانوا عربا كما يدعون، لكني تداركت تيه عقلي وحيرته عندما تذكرت قول الشاعر عبدالرحيم محمود الفلسطيني الملقب بالشهيد، وقصيدته الشهيرة التي حملت عنوان (الشهيد) ومنها تلك الأبيات التي خطت بماء من ذهب:

ســأحمل روحــي عـلى راحـتي

Ad

وألقــي بهـا فـي مهـاوي الـردى

فإمــا حيــاة تســر الصــديق

وإمــا ممــات يغيــظ العــدى

ونفس الشـــريف لهــا غايتــان

ورود المنايـــا ونيـــل المنــى

ومـا العيش؟ لا عشـت إن لـم أكـن

مخــوف الجنــاب حـرام الحـمى

أرى مصرعي دون حقّي السليب

ودون بلادي هو المبتغى

وأحمي حياضي بحدّ الحسام

فيعلم قومي أنّي الفتى

قصيدة شاعرنا الشهيد الشاب ظلت حاضرة رغم صعود روحه الطاهرة في عام 1948 ورغم قوافل الشهداء التي قدمها ومازال يقدمها الشعب الفلسطيني المناضل، ورغم خذلان القريب والبعيد وكأن التاريخ يعيد نفسه مع كل جيل يخرج من تلك الأرض الطاهرة.

لقد نعت القرآن الكريم هؤلاء المتخاذلين ووصفهم بالمنافقين في أكثر من آية، وأمر المؤمنين بعدم الركون والاستماع لهم وأمرهم بعدم الوهن والتردد عندما يختل ميزان القوة لمصلحة الكفار: "وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ".

شيطنة فصائل المقاومة التي تجاهد الكيان الصهيوني ليس بجديد على بعض المتصهينين العرب من أصحاب اللحى العفنة وعبدة الدينار منذ بزوغ فجر الإسلام، وليس بغريب وجود مثل هذه التبريرات التي أزعجوا مسامعنا فيها بضربهم رموز المقاومة بأنهم يدفعون بالأبرياء إلى ساحات القتال وينعمون برغد العيش، وإن أي حرب مع الكيان الصهيوني محكوم عليها بالفشل والدمار.

ميزان فارق القوة كان حاضراً في كل الغزوات التي شارك فيها وقادها رسولنا الكريم محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ومنها غزوة بدر التي وصفها القرآن الكريم وصور أحداثها بمنتهى الدقة، فهناك من كان يدفع بالنفير، وهناك من يرى تجنبها واللحاق بالعير، وهناك منافقون مثبطون فيا ترى لو كنّا في ذلك الزمان أي موقف سوف نتخذ؟

اللافت أن بعض المواقف للأشخاص ذاتهم تتغير بحسب التوجيه ودرجة النفاق والتملق، وهذه النوعية بالذات من الناس هم من ينطبق عليهم الوصف الرباني بالمنافقين.

لقد أثبت الشعب الفلسطيني للعالم بكل تصنيفاته عظم تضحياته، وأنه خلف مقدساته وأرضه في القدس وغزة وفي الداخل المحتل، كما أثبت السواد الأعظم من العالم العربي والإسلامي وشرفاء العالم أنهم مع قضية فلسطين ومع حقهم في إرجاع كل شر من تراب وطنهم.

الإملاءات التي يفرضها الكيان الصهيوني ومن يقف خلفه على الشعب الفلسطيني قد أسقطت في أيديهم بعدما شهدناه من إيمان وتماسك وثبات على الأرض من كل أطياف الشعب الفلسطيني، ومن مقاومة ترد الصاع صاعين رغم ما قيل عن القبة الحديدية.

في الختام إنما النصر صبر ساعة، وإن الله نافذ وعده للمؤمنين الصابرين، وفلسطين عائدة بإذن الله بثبات وتضحيات أبنائها رغم أنوف المنافقين.

ودمتم سالمين.

أ. د. فيصل الشريفي