لقد ماتت النيوليبرالية، أو ربما لا تزال على قيد الحياة، هذا ما يقوله النقاد هذه الأيام. ولكن في كلتا الحالتين، من الصعب إنكار أنه ثمة شيء ما جديد يحدث في عالم السياسة الاقتصادية.

فقد دعا الرئيس الأميركي، جو بايدن، إلى توسيع نطاق الإنفاق الحكومي على البرامج الاجتماعية، والبنية التحتية، وعملية الانتقال إلى الاقتصاد الأخضر، ويريد استخدام المشتريات الحكومية لإعادة بناء سلاسل التوريد المحلية وإعادة وظائف التصنيع إلى الولايات المتحدة، كما تسعى وزيرة الخزانة، جانيت يلين، إلى زيادة منسقة عالميا في ضرائب الشركات، ويقلل جيروم باول، رئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي، وهو أكثر الفروع الحكومية تشددا فيما يتعلق باستقرار الأسعار، من مخاوف التضخم، ويقدم دعمه للتوسع المالي.

Ad

وتمثل كل هذه التغييرات السياسية خروجا حادا عن الحكمة التقليدية في واشنطن، فهل تنذر أيضا بنموذج جديد للسياسة الاقتصادية؟

دائماً كانت السياسات الاقتصادية في الولايات المتحدة والغرب بصورة عامة، بحاجة إلى إصلاح شامل، فقد اكتسبت الأفكار السائدة منذ ثمانينيات القرن العشرين- التي يطلق عليها بمسميات مختلفة؛ فهي تارة تسمى إجماع واشنطن، وتارة أخرى أصولية السوق أو الليبرالية الجديدة- قوة جذب في الأصل بسبب الإخفاقات المتصورة للكينزية والتنظيم الحكومي المفرط، ولكنها خرجت عن السيطرة وأنتجت اقتصادات عالية التمويل، وغير متكافئة، وغير مستقرة، ولم تكن مجهزة للتعامل مع التحديات الأكثر أهمية اليوم وهي تغير المناخ، والاندماج الاجتماعي، والتقنيات الجديدة المسببة للخلل.

وقد يكون من المفيد أن يبدأ التغيير المطلوب في النموذج بكيفية تدريسنا للاقتصاد، إذ غالبا ما يكون خبراء الاقتصاد معجبين بقوة الأسواق في تعزيز الرخاء الاقتصادي الشامل، وتعد يد آدم سميث الخفية إحدى جواهر التاج في مهنة الاقتصاد، وهي فكرة تقول إن الأفراد المهتمين بأنفسهم والذين يسعون فقط لتحقيق ثروة شخصية قد ينتجون ازدهارا جماعيا بدلا من الفوضى الاجتماعية، ولكنها تظل مخالفة للتوقعات إلى حد كبير، وربما يكون هذا هو السبب في كون خبراء الاقتصاد يكرسون قدرا هائلا من الوقت للتبشير بسحر الأسواق.

ولكن الاقتصاد ليس أنشودة الأسواق الحرة، وفي الواقع، تركز الكثير من تعليمات الاقتصاد على الكيفية التي قد تنتج بها الأسواق قدرا كبيرا من عدم المساواة، وكيف تفشل بشروطها الخاصة في تخصيص الموارد بكفاءة، إن الأسواق التي تكون تنافسية على أكمل وجه والتي تنتج بتناغم توازنا مستقرا، هي مجرد احتمال واحد من بين العديد من الخيارات، ونموذج (سميثيان) ليس النموذج الوحيد، ومع ذلك، فإن رد الفعل السريع للعديد من خبراء الاقتصاد هو التعامل مع الأسواق التنافسية التي تعمل بصورة جيدة باعتبارها المعيار المناسب لأي خروج مقترح عن سياسة عدم التدخل.

ولحسن الحظ، يوجد نموذج جديد لتدريس علم الاقتصاد، ومشروع CORE هو أداة تعليمية عبر الإنترنت وكتاب مدرسي متاح بالمجان، اثنان من كبار خبراء الاقتصاد، (صمويل بولز) من معهد سانتا في، و(ويندي كارلين) من جامعة كوليدج لندن، هما من وراء هذه الفكرة، لكن مجموعة كبيرة من خبراء الاقتصاد في جميع أنحاء العالم قد تعاونوا في تطويرها، وبالفعل، أصبح يُعتمد في غالبية أقسام الاقتصاد بالجامعة في المملكة المتحدة.

إن الميزة الرئيسية لنهج CORE هي أنه يعالج قضايا مثل عدم المساواة وتغير المناخ مباشرة، ولكن الخطوة الأكثر إثارة للاهتمام من الناحية التربوية هي أنه تستبدل المعايير القياسية للاقتصاد بمعايير بديلة أكثر واقعية وفائدة، فعلى سبيل المثال، على عكس الاقتصاد التقليدي، يفترض CORE أن الأفراد اجتماعيون وقصيرو النظر، وليسوا أنانيين وبعيدي النظر، وأن المنافسة ناقصة وليست كاملة؛ فهي قائمة على مبدأ الرابح يأخذ كل شيء، والقوة حاضرة دائما في شكل علاقات بين المدير والوكيل في أسواق العمل والائتمان، بدلا من التعامل معها على أنها إما منتشرة أو خارجية، والريوع الاقتصادية موجودة في كل مكان وغالبا ما تكون مطلوبة بالنسبة للاقتصادات التي تعمل بصورة جيدة، وليست نادرة أو نتيجة لخطأ في السياسة.

إن مثل هذا النموذج الجديد للتدريس وممارسة الاقتصاد سينتج عنه فهم أفضل للنتائج الاجتماعية، ولكن علينا أن ندرك أنه لن ينتج نموذجا جديدا للسياسة الاقتصادية، وهذا ما ينبغي أن يكون عليه.

وجميع نماذج سياستنا السابقة- سواء كانت تجارية، أو ليبرالية كلاسيكية، أو كينزية، أو اشتراكية ديمقراطية، أو ليبرالية اجتماعية، أو ليبرالية جديدة- كانت بها نقاط مظلمة مهمة لأنها صُممت على أنها برامج عالمية يمكن تطبيقها في كل مكان وفي جميع الأوقات، وحتما، طغت النقاط المظلمة لكل نموذج على الابتكارات التي جلبتها بشأن كيفية تفكيرنا في الحوكمة الاقتصادية، وكانت النتيجة هي المبالغة في التأرجح بين التفاؤل المفرط والتشاؤم بشأن دور الحكومة في الاقتصاد.

والإجابة الصحيحة عن أي سؤال يتعلق بالسياسة في علم الاقتصاد هي "حسب الأدلة"، إذ نحتاج إلى تحليل وأدلة اقتصادية لتقديم تفاصيل ما تعتمد عليه النتيجة المرجوة، والكلمات الرئيسة للاقتصاد المفيد حقا هي الاحتمالية، والسياق، وعدم الشمولية، ويعلمنا علم الاقتصاد أن هناك وقتا للتوسع المالي، ووقتا للتراجع المالي، وهناك وقت يجب أن تتدخل فيه الحكومة في سلاسل التوريد، ووقت يجب أن يُسمح فيه للأسواق بالتصرف بحرية، وفي بعض الأحيان، يجب أن تكون الضرائب مرتفعة؛ وأحيانا أخرى، منخفضة، ويجب أن تتمتع التجارة بقدر أكبر من الحرية في بعض المجالات، وأن تكون منظمة في أخرى، وإن تحديد الروابط بين ظروف العالم الحقيقي ومدى الرغبة في أنواع مختلفة من التدخلات هو جوهر علم الاقتصاد الجيد.

وتواجه مجتمعاتنا تحديات أساسية تتطلب مناهج اقتصادية جديدة وتجارب سياسية مهمة، إذ أطلقت إدارة بايدن تحولا اقتصاديا جريئا طال انتظاره، ولكن يجب أن يكون أولئك الذين يسعون إلى نموذج اقتصادي جديد حذرين فيما يرغبون فيه، ولا ينبغي أن يكون هدفنا خلق عقيدة متحجرة أخرى، بل تكييف سياساتنا ومؤسساتنا مع المتطلبات المتغيرة.

* أستاذ الاقتصاد السياسي الدولي بكلية جون إف كينيدي للعلوم الحكومية بجامعة هارفارد، هو مؤلف كتاب Straight Talk on Trade: Ideas for a Sane World.

داني رودريك - بروجيكت سنديكيت