تقف هي عند عتبة بيتها مع بعض ما استطاعت أن تجمعه من حاجاتها هي وأسرتها، تلمع عيناها بالدمع ونظرة التحدي تلك النظرة التي عرفناها على وجوههم جميعا ليس اليوم أو بالأمس أو في آخر أيام رمضان وقبل احتفالات عيد الفطر، بل قبل ذلك بسنين طويلة، رجال ونساء شيوخ وأطفال، كلهم يتوارثون تلك النظرة، كلهم يحملونها معهم في بقاع الكون وأينما حلو، كلهم يعرفون أنها أكثر قوة من درعهم الحديدي، كلهم وليس وحدها، ولكنها وقفت هناك عند باب بيتها.

وقفت وحدها في مواجهتهم، عشرات منهم بل ربما أكثر، هي وحدها وهم بأسلحتهم وملابسهم الواقية وعرباتهم المصفحة أمامها وحدها، تتحدث بهدوء العارف بمجرى التاريخ والقارئ للأحداث المتتالية على شعوب عاشت تلك اللحظة نفسها بكثير من الدم والتشرد واللجوء والوجع الساكن داخل كل من بقي أو ترك الأرض مجبراً وبقيت الأرض تنبت شقائق النعمان ونرجسا وزعترا وزيتونا، كلما قطعوا شجرة عمرها أطول من عمر دولتهم، عادوا هم ليغرسوا عشر أشجار زيتون.

Ad

بقيت هي في مكانها في حين كانوا يتراجعون الى الخلف شيئا فشيئا وعيونهم يملؤها الخوف والترقب، وبعد كل تلك السنين لم يستطع علماؤهم وبحوثهم وجامعاتهم أن تفهم سر تلك النظرة التي تتناقلها الأجيال مع مفاتيح بيوتهم وتطريز ثوب أمهاتهم ورائحة قهوتها وخبز الطابون وكعك العيد، وحب الحياة الذي ترضعه الأمهات لأبنائها حتى هذا عجز علماء النفس لديهم عن الإجابة عن ذاك السؤال: «كيف يكون طريق حب الحب معبداً بالدم؟».

وليس بعيداً عنها بحكم مسافات لا تحسب بالمؤشرات والأرقام التقليدية لقياسها، بل بذاك الذي غرسته الأمهات في الوجدان، هناك يحمل طفلان سمكتهم التي استطاعوا أن ينقذوها بعد أن أمطرت السماء موتاً ودماراً كثيرا منه!! ركضا بعيدا خلف أمهم وأبيهم فرحين بأن قنابلهم لم تقتل الحياة في بيتهم الذي تحول الى كومة من الحجارة المزركشة بألعابهم وصورهم وذكرياتهم وكراسات مدارسهم.. هما من رضعا حب الحياة والدفاع عنها لكل البشر بل كل الكائنات، هما من عشقا جارهم البحر وترافقا مع ساكنيه من الأسماك والقواقع، هما أيضا كانت عيونهما تلمع بتلك النظرة نفسها مع مزيج من الفرح في حين تحول كل ما حولهم الى كومة من الدمار.

أما هو ذاك الشاب الذي واجه الأسئلة الصعبة بكثير من اليقين والثقة والإيمان فقد أجابهم بهدوء المنتصر رغم صعوبة اللحظة وانتشار الدمار.. تحدث بلغتهم مستخدما ألفاظهم وقرارات تلك المنظمة الدولية..هو كما هم يواجهون الى جانب آلة الموت هناك، آلة الإعلام الدولية والعربية المدعية الموضوعية واللابسة رداء الحيادية والمتصورة أنها تستطيع الاستمرار في الخداع كما وصفها تشومسكي بشكل واضح وصريح في كتاباته المتعددة، فهي تصنع الصورة ولا تنقلها كما تدعي!!! عرف الجيل الشاب كيف يواجههم بسلاحهم نفسه وعلى طريقتهم، تعلم كيف يكشف كذبهم وتلاعبهم بكثير من الهدوء الداخلي لمن هم يرضعون القضية ويعيشونها ويحملونهم معهم كما مفتاح بيتهم القديم الذي احتلته تلك العائلة القادمة من هناك من كل هناك لا هنا..

تطاردك الصور أو أنك تبحث عنها بين كعك العيد والرد على التهاني القادمة في مجملها، تحمل صوراً من القدس وكل فلسطين من بحرها لنهرها لجبالها ووديانها وصحرائها وتلالها المكسية بالزهور أكثر من مئة نوع من الزهور، حتى سماها ذاك العاشق «أرض الورد» وعنون كتابه الذي وثق فيه ورد فلسطين المتنوع حتى لا يسرق هو الآخر كما يعملون على سرقة كل تفصيل من أسماء البلدات والقرى والمدن، إلى الأكل وتطريز الثوب والزهر و...و.... سرقات لا حدود لها، فالورود في الربيع تزهر في مختلف بقاع الأرض إلا في فلسطين فلكل فصل زهرة حتى الخريق والشتاء ثم الربيع والصيف...

هم وحدهم يواجهون تلك الطائرات المتطورة والصواريخ «الذكية» وكل أدوات الموت المتنقل، وهم أيضا من يرسمون الابتسامة كلما ازدادت حدة ماكينة القتل المتنقلة التي لا تفرق بين طفل وشيخ ومدرسة ومستشفى ومنزل وشارع كان آمنا حتى تحول إلى حفرة من التراب وبقايا حيوات كانت هناك وستبقى هناك.

* ينشر بالتزامن مع «الشروق» المصرية.

د. خولة مطر