يعرفه أبناء الجالية اللبنانية في الكويت باسم "الخواجة طوني" وكلمة "الخواجة" يخاطب بها الأشخاص ذوو الأخلاق الحميدة والبيوت الراقية، وما إن انتشر خبر الوفاة قبل عيد الفطر بيوم واحد حتى ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بالكلام عن مآثره وأفعاله.

طوني نجار أحب الكويت كما أحب بلده والجالية التي ينتمي إليها، فقد عاش في الظل، كما يصفه أحد المقربين منه وهو شربل الشمالي "بدون تكبر، كان متواضعا، معطاء بصمت مخلصا لشركته رافعاً اسمها صرحاً كبيراً بحجم شركائه آل الثويني".

Ad

غاب أحد المساهمين في بناء الكويت الحديثة ذاك المهندس الذي قاد "الأحمدية" مع "الفرسان الأربعة" كما يطلق عليهم ما يزيد على النصف قرن، كان بحق شعلة لبنانية مضيئة في سماء الكويت كما وصفه السفير اللبناني الأسبق د. خضر حلوة.

الحقيقة أن الحديث عن أسرة النجار يعيدنا إلى تاريخ الجالية اللبنانية في الكويت وهجرة "بيت النجار"، وقصتهم معها، فنقطة البداية في التواصل المشترك بين اللبنانيين والكويتيين كان في عقد العشرينيات من القرن الماضي، حيث كان اللبناني منيب مصطفى الشمالي أول مهاجر وطئت قدماه أرض الكويت عام 1915، تبعه فيما بعد عزت محمد جعفر والذي ارتبط بعلاقة خاصة مع الحاكم الشيخ أحمد الجابر الصباح وصار مستشاراً سياسياً لسموه، وتوالت فيما بعد موجات المهاجرين أبرزهم الدكتور محيي الدين سلامة عام 1939، ثم الأشقاء فوزي وعبدالله ناجي الحص وأميل البستاني وخولة رزق وآخرون بالطبع.

تسجل الوثائق الرسمية الكويتية، وجود مواطنين لبنانيين عام 1917 وأربعة في الفترة ما بين 1938 و1942، و20 لبنانياً بين 1943 و1947 و22 آخرين وفدوا إليها عام 1949 وصولا اليوم إلى نحو 45 ألفاً يعيشون على هذه الأرض.

هجرة أسرة طوني نجار تعود إلى فترة أوائل الخمسينيات وهي المرحلة التي شكلت بدايات الهجرة الفعلية اللبنانية والتي اتسمت بالتعاون والتناغم المشترك فكانت تماثل هجرة الكويتيين إلى لبنان للدراسة والسياحة والإقامة، فكانت بيروت ومناطق الجبل ملاذاً آمنا لهم.

ووفقاً لرواية السيد إيلي هاني، خال المتوفى طوني نجار فالعلاقة بين نجيب النجار انطلقت عام 1954 من إحدى المناطق القريبة من حلب عندما كان "المعلم نجيب" يقيم أحد مشاريع البناء والفنادق هناك تصادف أن الشيخ صباح الأحمد وبرفقته عبداللطيف الثويني كانا بزيارة رسمية إلى سورية، تقدم محافظ حلب من الشيخ صباح وأبلغه بوجود مهندس لبناني لديه فيلا جميلة يمكن أن تقيموا فيها فوافق والتقى به ليعرض عليه المجيء إلى الكويت.. وهذا ما حصل.

يروي السيد إيلي هاني وهو من أسرة ترتبط بصلة قرابة ومصاهرة مع عائلة النجار أن العمل كان مع بيت الفوزان أولاً عندما وصل إلى الكويت، لكنه لم يدم سوى أشهر معدودة، بعدها قامت العلاقة مع أسرة بيت الثويني وبشخص عبداللطيف الثويني لتأسيس شركة مقاولات عامة وتجارة أسمياها "الأحمدية" نسبة إلى الحاكم الشيخ أحمد الجابر والد الأمير الراحل الشيخ صباح الأحمد.

أوائل السبعينيات توفي نجيب النجار في لبنان وأكمل ابنه طوني الرحلة، وهو من مواليد 1939 درس بمدرسة الفرير الفرنسية "بمنطقة الجميزة ببيروت" والهندسة بجامعة لوزان بسويسرا، جاء الكويت عام 1963 والتحق "بالأحمدية" واستمرت العلاقة المتينة والقائمة على الثقة والاحترام بين آل الثويني عبداللطيف ومن ثم إخوانه عبدالمحسن وأحمد وأبنائهم وبين طوني النجار، نمت العلاقة بينهما وكان العم عبدالمحسن الثويني بمثابة الأب الروحي للمرحوم طوني، توطدت العلاقة مع الأبناء فيما بعد انضم إليهم إيلي هاني عام 1976 بعد دراسة الهندسة في الجامعة الأميركية في بيروت و"MIT" وتخرجه من هارفارد.

كانت الكويت بالنسبة إليه بلده الثاني بالفعل لا القول، فاختار البقاء هنا والعيش في بيئة أخلص لها بالرغم من تملكه بيوتا في سويسرا وفرنسا ولبنان،

عنده ولاء للكويت ولكل من عمل معه، أحبه الكبار كما هي العلاقة بينه وبين الأمير الشيخ صباح السالم والذي كان الرسم يستهويه، وكلما خطرت في باله فكرة استدعاه وناقشه واستـأنس برأيه، وهكذا العلاقة مع الأمير الشيخ جابر الأحمد والشيخة بدرية.

كبرت الكويت وكبر طوني نجار والأحمدية معاً، فكانت المشاريع التي أقامتها الشركة علامة على نجاحها في هذا القطاع ونجاح الجيل الأول من المهاجرين اللبنانيين، وكانوا بحق من الذين برزوا بنجاحاتهم من أبناء الجالية، والذين آثروا العمل في الظل يقدمون العون والمساعدات لمن يحتاجها.

حمزة عليان