في تطور دراماتيكي أشعلته الاشتباكات الدائرة منذ أسابيع في القدس الشرقية المحتلة، دخلت إسرائيل في مواجهة دامية وغير مسبوقة منذ عام 2014 مع حركة حماس، أسفرت في يومها الأول عن استشهاد 26 فلسطينياً في قطاع غزة، بينهم 9 أطفال و3 قادة عسكريين، فضلاً عن إصابة 10 إسرائيليين في عسقلان.

وفي خطوة على طريق المواجهة المفتوحة، نقلت تقارير إعلامية عربية أن "قيادة حماس أبلغت المسؤولين عن الملف الفلسطيني في جهاز المخابرات المصري، بإسقاط تفاهمات الوساطة السابقة بشكل كامل، والعودة إلى المربع صفر"، مبينة أن "المسؤولين المصريين طلبوا مهلة لاحتواء الأزمة وإقناع الجانب الإسرائيلي بالتراجع خطوة للخلف".

Ad

وكشفت المصادر عن رسالة حملتها "حماس" للجانب المصري لنقلها إلى تل أبيب بأن لديها "بنك أهداف"، وهي قادرة على الوصول إليه بنسبة نجاح كبيرة، علاوة على دخول صواريخ جديدة، ساحة المعركة لأول مرة".

وأكدت كتائب القسام أنها نفذت 100 ضربة بصواريخ تحمل رؤوساً متفجرة بقدرة تدميرية عالية أدخلتها الخدمة بشكل معلن لأول مرة، مبينة أن الصواريخ التي تم توجيهها للقدس يصل مداها إلى 120 كيلومتراً.

وفي محاولة للتوصل إلى وقف لإطلاق نار، أجرت القاهرة اتصالات مع "حماس" والقيادة الإسرائيلية. وقال مسؤول فلسطيني إن مصر وقطر والأمم المتحدة على اتصال مع إسماعيل هنية لاستعادة التهدئة.

وقال المصدر إن تفاهمات تم التوصل إليها برعاية مصر والأمم المتحدة تنص على انسحاب الشرطة الإسرائيلية من المسجد الأقصى، وهو تم فعليا، واستعادة الهدوء في غزة بوقف الهجمات من الفصائل الفلسطينية.

«حارس الأسوار»

وغداة إطلاق عملية "حارس الأسوار" وقصف أكثر من 150 هدفاً وموقعاً لحركة حماس، أصدر وزير الدفاع بيني غانتس أوامره بعد اجتماعه الثاني خلال ساعات مع رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وكبار القادة الأمنيين والعسكريين، بمواصلة الهجمات على غزة ونشر المزيد من فرق المدفعية في محيطه، وذلك بضوء أخضر من الحكومة المصغرة، كما وافق على تعزيز الشرطة بـ8 وحدات من قوات حرس الحدود.

وعلى الفور، أعلن وزير الأمن الداخلي أمير أوحانا، أمس، استدعاء 8 فرق من قوات الاحتياطي في الجيش الإسرائيلي لتوفير الدعم للشرطة للتعامل مع الأحداث في القدس والمواجهات المستمرة بالمدينة منذ أيام والتي خلّفت أكثر من 520 جريحاً أمس الأول.

وفي اليوم الثاني من العملية، كثفت إسرائيل قصف غزة جواً وبحراً. ورجح المتحدث باسم الجيش، هيداي زيلبرمان، أن يستمر القتال في غزة "لعدة أيام"، مشيراً إلى أن إسرائيل لا تستبعد تنفيذ عملية برية، ولديها خطة لمواصلة العمليات حتى صباح اليوم الأربعاء، وبعد ذلك سيتم تقييم الوضع.

وأكّدت "حماس" استهداف القيادي في جناحها العسكري "كتائب القسّام" محمد فياض في بيت حانون وقتله. كما نعت حركة "الجهاد الإسلامي" القائدين في جناحها العسكري "سرايا القدس" سامح المملوك وكامل قريقع، مشيرة إلى أنها فقدت عدداً في الغارات.

وأحصى الجيش الإسرائيلي إطلاق أكثر من 250 صاروخاً من غزة باتجاه جنوب ووسط إسرائيل في الليلة الأولى من التصعيد، موضحاً أن نظام القبة الحديدية الدفاعي اعترض "عشرات" منها، لكن أحدها أصاب منزلين بشكل مباشر في مدينة عسقلان، وأسفر عن إصابة 10 إسرائيليين بجروح متفاوتة.

وخلال اجتماعه مع قادة الجيش وجهاز "الشين بيت"، حذّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أمس الأول من أن "حماس تجاوزت خطّاً أحمر" من خلال توجيه صواريخ نحو القدس، وأنّ الدولة "ستردّ بقوّة"، مضيفاً: "لن نتسامح مع الهجمات على أراضينا وعاصمتنا ومواطنينا وجنودنا. من يُهاجمنا سيدفع ثمنا باهظاً"، ملمحاً إلى أن المواجهة الحالية قد تستغرق بعض الوقت.

«سيف القدس»

في المقابل، أصدرت غرفة الفصائل الفلسطينية، فجر أمس، بياناً مشتركا أطلقت فيه اسم "سيف القدس" على "معركتها مع إسرائيل نصرة للقدس"، مؤكدة أنها "وحّدت صفوفها، وعهد الاستفراد بالأقصى قد انتهى بلا رجعة".

وأكدت "حماس" استمرارها في المواجهة رداً على الجرائم الإسرائيلية حتى يتوقف الاحتلال عن كل مظاهر العدوان والإرهاب في القدس والمسجد الأقصى.

وإذ شدد الناطق باسمها، فوزي برهوم، على أنه لا تراجع عن "معادلة القصف بالقصف" التي تفرضها المقاومة بكل قوة على إسرائيل، قال رئيس المكتب السياسي للحركة إسماعيل هنية، في بيان، "قررنا أن نستمر ما لم يوقف الاحتلال كل مظاهر العدوان والإرهاب في القدس والمسجد الأقصى"، مضيفاً: "معادلة ربط غزة بالقدس ثابتة ولن تتغير، فعندما نادت القدس لبّت غزة النداء".

المسجد الأقصى

وفي حين كانت الرّشقات الصاروخيّة تنهمر على إسرائيل انطلاقاً من القطاع، أعلنت الشرطة أنّ عربيّاً قُتل ليلاً برّصاص مستوطن على هامش مواجهات دارت في مدينة اللدّ.

في الأثناء، أدى المعتكفون في المسجد الأقصى صلاة فجر أمس بعد انسحاب قوات الاحتلال من المسجد القبلي عقب مواجهات عنيفة اندلعت على إثر اقتحامه للمرة الثانية خلال ساعات.

وقبل تأكيد مدير المسجد الأقصى، عمر الكسواني، انسحاب قوات الاحتلال بشكل كامل من ساحات المسجد إلى خارج بواباته الرئيسة، أعلن الهلال الأحمر الفلسطيني إصابة أكثر من 520 فلسطينياً بجروح، قسم كبير منهم أصيبوا في أعينهم ورؤوسهم، في حين أعلنت الشرطة الإسرائيلية سقوط 9 جرحى على الأقلّ في صفوفها.

وفيما دعا الاتحاد الأوروبي إسرائيل إلى التحرك بشكل عاجل لتهدئة التوتر الحالي في القدس وتجنّب أعمال التحريض حول المسجد الأقصى واحترام الوضع الراهن، زار عدد من قناصل دول أوروبية حي الشيخ جراح في القدس، للتعرف إلى وضع الأسر الفلسطينية المهددة بالطرد.

وقال الاتحاد الأوروبي، في بيان، إن إخلاء العائلات في الشيخ جراح ومناطق أخرى من القدس الشرقية يثير القلق الشديد، مشيراً إلى أن هذه الأعمال غير قانونية بموجب القانون الإنساني الدولي، ولا تؤدي إلا إلى تأجيج التوتر على الأرض.

اجتماعات دولية

وعلى وقع اتصالات عديدة على مستوى قادة الدول، عقد وزراء الخارجية العرب، أمس، اجتماعاً افتراضياً غير عادي لمجلس جامعة الدول العربية لبحث التطورات في القدس والاعتداءات على المسجد الأقصى ومحاولات الاستيلاء على منازل المقدسيين في حي الشيخ جراح وتهجيرهم من بيوتهم.

واعتبر الأمين العام للجامعة العربية، أحمد أبوالغيط، أن ضربات إسرائيل لغزة "عشوائية وغير مسؤولة". وحمّلها مسؤولية "هذا التصعيد الخطير" للوضع في القدس، داعيا المجتمع الدولي إلى التحرك فوراً لوقف العنف.

وخلال اجتماعها الطارئ، قالت منظمة التعاون الإسلامي، إن "تصاعد وتيرة الأعمال الوحشية ضد الفلسطينيين بالمسجد الأقصى والقدس المحتلة جريمة حرب تستوجب المحاكمة".

ومع تدهور الوضع، عقد مجلس الأمن جلسة مغلقة بطلب من تونس والنرويج والصين تناولت الوضع في القدس. لكنّ أعضاءه لم يتفقوا على إصدار إعلان مشترك، بسبب أن الولايات المتحدة اعتبرت أن من "غير المناسب" توجيه رسالة علنية في هذه المرحلة.

المنتصر الأكبر

وعلّقت صحيفة هآرتس على التطورات، معتبرة أن "المستوى السياسي غاب عن إدارة أحداث القدس وبعد القصف حماس كانت المنتصر الأكبر".

ووصفت "هآرتس"، التي حملت الجزء الأكبر من مسؤولية التصعيد لضباط ليست لديهم أيّ خبرة عيّنوا في القدس الشرقية، مما جعل الأمور تخرج عن السيطرة، في افتتاحية "رقصة الأعلام" التي ينظمها بعض الإسرائيليين في ذكرى احتلال القدس الشرقية، بأنها "رقصة فاسدة"، بينما عنون الكاتب الصحافي تسيفي برئيل مقاله في الصحيفة: "جبل الهيكل يسير في مسار جبل ميرون"، في إشارة الى حادثة التدافع التي قتل فيها أكثر من 50 إسرائيليا خلال إحياء طقوس يهودية.

السعودية والأردن

وفي إطار التشاور المستمر، أكد وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره الأردني أيمن الصفدي، أمس، ضرورة تنسيق المواقف حيال قضية فلسطين وحماية شعبها من الاعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية والعدوان على غزة ، وشددا على "استعادة الهدوء ووقف إسرائيل جميع انتهاكاتها في الحرم القدسي واحترام الوضع التاريخي والقانوني القائم في القدس ومقدساتها".

وعبّر الوزيران عن إدانة المملكتين الممارسات الإسرائيلية اللاشرعية، وحذّرا من تبعات استمرار الانتهاكات في المقدسات وتهجير أهل حي الشيخ جراح من بيوتهم ومن الاستمرار في العدوان على غزة.

وأعربت "الخارجية" السعودية عن إدانتها بأشد العبارات للاعتداءات "السافرة" على حرمة المسجد الأقصى الشريف وأمن وسلامة المصلين، داعية المجتمع الدولي لتحميل الاحتلال الإسرائيلي مسؤولية هذا التصعيد وضرورة وقفه الفوري.

احتواء التصعيد

وفي واشنطن، التي حالت دون صدور بيان مجلس الأمن، وأكدت أنها "تعمل خلف الكواليس" لتهدئة الوضع، دعا وزير الخارجية أنتوني بلينكن إسرائيل لاحتواء التصعيد، وطالب بوقف فوري لإطلاق الصواريخ من قبل "حماس".

وقال بلينكن، خلال استقباله نظيره الأردني في واشنطن، "العنف ينبغي أن يتوقف، على كل الأطراف التزام احتواء التصعيد وخفض التوترات واتخاذ إجراءات ملموسة للتهدئة".

وفي حين دان بلينكن بشدة إطلاق "حماس" الصواريخ وأيّد حق إسرائيل بالرد، أشاد بإرجائها قرار طرد العائلات من حي الشيخ جراح وإعادة توجيه مسيرة المستوطنين في يوم "توحيد القدس"، معتبراً أنه "أمر ملحّ لجميع الأطراف لاتخاذ خطوات لتهدئة الوضع".

وقال الصفدي إن القدس "خط أحمر" بالنسبة للأردن، وتركيزنا الآن هو لضمان وقف التصعيد، وكي يتحقق هذا نعتقد أن كل الإجراءات الاستفزازية وغير القانونية ضد أهالي حي الشيخ جراح أو فيما يتعلق بانتهاكات الحرم يجب أن تتوقف".

وأعرب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في اتصال هاتفي مع نظيره التركي مولود تشاووش أوغلو، عن قلقه البالغ إزاء تفاقم التوترات والتصعيد في القدس الشرقية.

ودان الوزيران "إجلاء الفلسطينيين عن منطقة سكنهم الأصلية في حي الشيخ جراح"، وطالبا باجتماع للجنة الرباعية، لعدم السماح لأي أعمال تهدد بمزيد من الاحتدام.

وأبدت الأمم المتحدة قلقاً كبيراً، ودانت كافة أشكال العنف والتحريض على والانقسامات القومية والاستفزازات، مطالبة إسرائيل بالسماح بحريّة التعبير والتجمع وتشكيل الجمعيات وعدم استخدام القوة ضد من يمارسون حقوقهم سلمياً.

وتواصل القاهرة اتصالاتها الإقليمية على أمل احتواء الازمة، إلا أن مصادر مصرية قالت لـ "الجريدة" إن المهمة ليست سهلة في ظل إصرار كل طرف على التصعيد وعدم وجود نية في التراجع حتى هذه اللحظة.

وقالت المصادر إن الوساطة المصرية لم تنجح حتى الآن في إقرار وقف لإطلاق النار بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية في قطاع غزة، كما أن تل أبيب لم تتجاوب مع مطالب التهدئة في القدس ووقف عملية طرد أهالي حي الشيخ جراح، لكن مصر لم تفقد الأمل في التوصل إلى حل، لذا فإن الاتصالات متواصلة بجميع الأطراف.

وأشارت إلى أن "حماس" والفصائل الفلسطينية أبلغت الجانب المصري أنها لن تتوقف عن إطلاق الصواريخ إلا بعد استجابة تل أبيب لمطالبها بسحب جنودها من داخل حرم المسجد الأقصى وإطلاق سراح المعتقلين في الأحداث، بينما ترى تل أبيب أن قصف القدس بالصواريخ أمر لا يمكن السكوت عليه لذا ترى ضرورة "تأديب الفصائل". وذهبت المصادر إلى أن الأوضاع في غاية السوء وأن الأمور تتجه إلى مزيد من التصعيد على مختلف المستويات، وأن لا رغبة لدى الطرفين في التهدئة خلال هذه اللحظة، وأن الأزمة تتجه إلى حافة الهاوية، خاصة أن إسرائيل أبلغت الجانب المصري برفض أي وساطات لإيقاف إطلاق النار، بينما شددت "حماس" على أنها ستواصل العمليات النوعية لحين تنفيذ مطالبها.

وطلبت مصر الطرفين بضرورة ضبط النفس، وعدم دفع الأمور إلى لحظة الانفجار، ودعت لإعطاء فرصة لجهودها والجهود الدولية لاحتواء الأزمة ومنع عمليات التصعيد وإقرار هدنة ووقفا فوريا لإطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من الحرم المقدسي، لكن حتى الآن تواجه الوساطة المصرية صعوبات جمة بسبب تمسك كل طرف بموقفه.

القاهرة- حسن حافظ