فرنسا ليست في وارد الاستسلام لبنانياً، ولا التسليم بفشل مبادرتها أو سقوطها، حسبما ذكرت مصادر فرنسية، لـ «الجريدة»، مضيفة أن عملية إعادة تقييم تجري داخل أورقة قصر الإليزيه والخارجية الفرنسية، للتعاطي مع الملف اللبناني.

وتشير المصادر إلى أن عملية التقييم هذه تجري على أربعة خطوط متوازية؛ الخطّ الأول هو على الصعيد الداخلي الفرنسي، من خلال إعادة ترتيب الأولويات وتحديد المسؤوليات والاضطلاع بحركة جديدة.

Ad

والخطّ الثاني هو على صعيد الاتحاد الأوروبي، والبحث مع الدول الأوروبية المتفاهمة على نفس التوجه مع باريس، بحثاً عن مقومات الضغط الذي يمكن ممارسته على القوى السياسية اللبنانية.

وأما الثالث، فيتمثل بالتحرك تجاه الدول العربية للتنسيق معها حول الملف اللبناني. وفي هذا السياق، تؤكد المعلومات أن اتصالات فرنسية ستحصل مع مسؤولين في مصر والسعودية والإمارات لتقييم الوضع اللبناني، والبحث عن تقوية أوراق أي تحرّك مقبل.

بينما الخطّ الرابع هو اتجاه جديد ينص على تشكيل لوبي لبناني من شخصيات لبنانية تحمل الجنسية الفرنسية ومقيمة في فرنسا، ويضم شخصيات حقوقية واقتصادية ورجال أعمال ومتمولين سيعملون معاً على أكثر من خطّ، بالتنسيق مع المحيطين والمقربين من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

وبحسب ما تؤكد المعلومات، فإن هذا اللوبي اللبناني - الفرنسي سيعمل على تجميع أكبر كم من المعلومات حول الملف اللبناني، بما في ذلك قضايا الفساد، استعداداً لرفع دعاوى قضائية أمام محاكم فرنسية وأوروبية بحق المتورطين بالفساد، وهو ما سيشكل بالمبدأ عنصر ضغط كبير على القوى السياسية، يمكن استخدامه كذلك إعلامياً، بشكل يجعل لهذا المسار تأثيراً فعالاً على مسار الانتخابات البرلمانية المقبلة في العام القادم، وبذلك لا تكون فرنسا قد رهنت مبادرتها ومسعاها في لبنان بالاستناد إلى صناعة تسوية مع القوى السياسية التقليدية، بل البحث عن قوى بديلة، ولذلك كان التركيز خلال زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان إلى بيروت على عقد لقاءات مع جماعات المجتمع المدني المختلفة، وحثّهم على ضرورة توحيد جهودهم والتحضير للانتخابات البرلمانية المقبلة.

في المقابل، يعيش لبنان حالة جمود سياسي قاتل، بسبب عدم قدرة أي طرف على القيام بأي خطوة جديدة، أو المبادرة في سبيل البحث عن حلّ للأزمة وحلّ عقد تشكيل الحكومة؛ فالرئيس المكلف سعد الحريري لا يزال على موقفه، لا يريد التنازل ولا الاعتذار، ورئيس الجمهورية ميشال عون «غير قابل» للتنازل وسيمارس المزيد من الضغوط على الحريري من خلال إثارة ملفات فساد أو تحميله مسؤولية الانهيار، لأنه لا يشكل الحكومة ولا يفسح المجال أمام شخص آخر لتشكيلها.

وأما حزب الله فلا يبدو في وارد المبادرة، وهو يفضل انتظار التحولات الإقليمية والدولية، ويعتبر أنها تصب في صالحه.

في المقابل، فإن الحريري يفكرّ في عقد مؤتمر صحافي يشرح خلاله كل مسارات تشكيل الحكومة، والعقد التي تعترض طريقها، ويحمل عون وصهره جبران باسيل المسؤولية.

على وقع هذا الجمود السياسي، تستمر الأزمة الاقتصادية والمالية في الاستفحال، وسط غياب أي رؤية واضحة للوصول إلى حلول، فحزب الله لا يزال يرفض رفع الدعم، وتؤكد المعلومات أنه أبلغ حاكم مصرف لبنان هذا الموقف، وقد نسق خطوته مع رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب بهذا الخصوص.

على الضفة المقابلة، يبحث حاكم المصرف المركزي رياض سلامة عن أي صيغة لتحميل مسؤولية الاستمرار في الدعم والمسّ بأموال الاحتياطي الإلزامي العائدة للمودعين، للسلطة السياسية، وهو يقول إنه غير قابل لصرف أي مبلغ جديد بدون إجازة قانونية واضحة صادرة عن الحكومة ومجلس النواب.

البطريرك الماروني بشارة الراعي، بالتنسيق مع بعض الجهات الداخلية، يستعد لإجراء زيارة إلى عدد من الدول العربية، وهو استاء من عدم زيارة وزير الخارجية الفرنسي له. وبحسب ما تؤكد المعلومات، فإن عدم زيارة لودريان إلى الصرح البطريركي يعود إلى رفض الفرنسيين لتكريس فكرة الحياد، والدعوة إلى عقد مؤتمر دولي لمعالجة الأزمة اللبنانية.

على خطّ آخر، يشهد لبنان ولادة أكثر من حركة سياسية من خارج حراك القوى التقليدية، وبرز ما أعلنه الوزير السابق نهاد المشنوق عن إطلاق حركة «الاستقلال الثالث»، لمواجهة ما يسميه «سياسة التسويات والتنازلات التي حصلت منذ عام 2016 إلى اليوم». ويصف المشنوق حركته بأنها هادفة إلى مواجهة الاحتلال السياسي الإيراني، وتصحيح الأخطاء التي ارتكبت في السنوات الفائتة، لتحقيق استعادة التوازن السياسي، وهي حركة سياسية حتماً ستكون في أحد جوانبها معارضة للمسار السياسي الذي سلكه الحريري سابقاً، بينما بعض المعلومات اللبنانية تشير إلى أن حركة المشنوق تلاقي دعماً خارجياً.

منير الربيع