ولما كانت الليلة السادسة عشرة بعد السبعمئة، قالت شهرزاد: بلغني أيها الملك السعيد، أن دنيا قالت لتاج الملوك: وما تريد، فقال: مرادي أن أخبرك بحقيقتي، فاعلمي أني لست بتاجر، بل أنا ملك ابن ملك، واسم أبي الأعظم سليمان شاه الذي أنفذ الوزير رسولاً إلى أبيك، ليخطبك لي فلما بلغك الخبر ما رضيت، ثم إنه قصّ عليها قصته، وذكّرها بأن والده الملك سليمان شاه أرسل وزيره لخطبتك لي، وقام الوزير ودخل على أبيك الملك ووقف بين يديه وحدثه بحديثه وأخبره بسبب مجيئه، فصار أبيك متحيراً في ردّ الجواب، لأنك لا تحبين الزواج وأرسل إليك بعض الخدم، وقال له: اذهب إلى سيدتك دنيا، وأخبرها بما سمعت وبما جاء به هذا الوزير، فقام الخادم وغاب ساعة ثم عاد إلى الملك، وقال له: يا ملك الزمان لما دخلت على السيدة دنيا أخبرتها بما سمعت فغضبت غضباً شديداً، ونهضت عليّ بمسوقة وأرادت كسر رأسي، ففررت منها هارباً، وقالت لي: إن كان يغصبني على الزواج، فالذي أتزوج به أقتله، فقال أبوك الملك للوزير سلّم على الملك وأخبره بذلك، وإن ابنتي لا تحب الزواج، فقالت دنيا: تذكرت ذلك. وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح.

Ad

اكتشاف تاج الملوك

وفي الليلة السابعة عشرة بعد السبعمئة، قالت شهرزاد: بلغني أيها الملك السعيد، إن تاج الملوك قال لدنيا: أريد الآن أن أتوجه إلى أبي ليرسل رسولاً إلى أبيك ويخطبك منه. فلما سمعت ذلك الكلام فرحت فرحاً شديداً، لأنه وافق غرضها، واتفق في الأمر المقدور أنه في ذلك الوقت كان الملك شهرمان جالساً في دست مملكته وبين يديه أمراء دولته، إذ دخل عليه عريف الصياغ وبيده حق كبير وفتحه بين يدي الملك، وأخرج منه علبة لطيفة تساوي مئة ألف دينار لما فيها من الجواهر واليواقيت والزمرد، والتفت إلى الخادم الكبير الذي جرى له مع العجوز ما جرى، وقال له: يا كافور خذ هذه العلبة وامض بها إلى السيدة دنيا، فأخذها الخادم ومضى حتى وصل إلى مقصورة بنت الملك، فوجد العجوز نائمة على عتبته، فقال الخادم: إلى هذه الساعة وأنتم نائمون؟ فلما سمعت العجوز كلام الخادم انتبهت من منامها، وخافت منه وخرجت على وجهها هاربة، فرأى الخادم السيدة دنيا وتاج الملوك، فانتبهت السيدة دنيا فوجدته فتغيرت واصفر لونها، وقالت له: يا كافور، استر ما ستر الله فقال: أنا ما أقدر أن أخفي شيئاً عن الملك، ثم أقفل الباب عليهما، ثم إن الخادم لما أقفل الباب عليهما رجع إلى الملك فقال له: هل أعطيت العلبة لسيدتك؟ فقال الخادم: خذ العلبة ها هي، وأنا لا أقدر أن أخفي شيئاً، اعلم أني رأيت عند السيدة دنيا شاباً، فأمر الملك بإحضارهما، فلما حضرا بين يديه قال لهما: ما هذه الفعال؟ واشتد به الغيظ، فأخذ نمشة وهمّ أن يضرب بها تاج الملوك، وقال له: ويلك من أنت؟ ومن أين أنت؟ ومن هو أبوك وما جسّرك على ابنتي؟ فقال تاج الملوك: اعلم أيها الملك إن قتلتني هلكت وندمت أنت ومن معك في مملكتك، فقال له الملك: ولم ذلك؟ فقال: اعلم أني ابن الملك سليمان شاه، وما تدري إلا وقد أقبل عليك بخيله ورجاله. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

قرار بالقتل

وفي الليلة الثامنة عشرة بعد السبعمئة، قالت شهرزاد: فلما سمع الملك شهرمان ذلك الكلام أراد أن يؤخر قتله ويضعه في السجن، حتى ينظر صحة قوله، فقال له وزيره: يا ملك الزمان الرأي عندي أن تعجّل قتله، فإنه تجاسر على بنات الملوك فقال السياف: اضرب عنقه فإنه خائن، فأخذه السياف وشدّ وثاقه ورفع يده وشاور الأمراء أولاً وثانياً، وقصد بذلك أن يكون في الأمر توان، فزعق عليه الملك وقال: متى تشاور إن شاورت مرة أخرى ضربت عنقك، فرفع السياف يده حتى بان شعر إبطه، وأراد أن يضرب عنقه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

إنقاذ تاج الملوك

وفي الليلة التاسعة عشرة بعد السبعمئة، قالت شهرزاد: بلغني أيها الملك السعيد أن السياف رفع يده وأراد أن يضرب عنقه، وإذا بزعقات عالية والناس أغلقوا الدكاكين، فقال السياف: لا تعجل، ثم أرسل من يكشف الخبر، فمضى الرسول ثم عاد إليه، وقال له: رأيت عسكراً كالبحر العجاج المتلاطم بالأمواج وخيلهم في ركض، وقد ارتجت لهم الأرض وما أدري خبرهم.

خوف الملك

فاندهش الملك وخاف على ملكه أن ينزع منه، ثم التفت إلى وزيره وقال له: أما خرج أحد من عسكرنا إلى هذا العسكر؟ فما أتم كلامه إلا وحجابه قد دخلوا عليه ومعهم رسل الملك القادم، ومن جملتهم الوزير، فابتدأه بالسلام، فنهض لهم قائماً وقرّبهم، وسألهم عن شأن قدومهم، فنهض الوزير من بينهم وتقدّم إليه، وقال له: اعلم أن الذي نزل بأرضك ليس كالملوك المتقدمين ولا مثل السلاطين السالفين. فقال له الملك: ومن هو؟ قال الوزير: هو صاحب العدل والأمان الذي سارت بعلوّ همّته الركبان السلطان سليمان شاه صاحب الأرض الخضراء والعمودين وجبال أصفهان، وهو يحب العدل والإنصاف ويكره الجور والاعتساف، ويقول لك: إن ابنه عندك وفي مدينتك، وهو حشاشة قلبه وثمرة فؤاده، فإن وجده سالماً فهو المقصود وأنت المشكور المحمود، وإن كان فقد من بلادك أو أصابه شيء فأبشر بالدمار وخراب الديار، لأنه يصير بلدك قفراً ينعق فيها البوم والغراب، وها أنا قد بلّغتك الرسالة والسلام. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

النجاة

وفي الليلة العشرين بعد السبعمئة، قالت شهرزاد: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك شهرمان لما سمع ذلك الكلام من الرسول، انزعج فؤاده وخاف على مملكته، وزعق على أرباب دولته ووزرائه وحجّابه ونوابه، فلما حضروا قال لهم: ويلكم انزلوا وفتشوا عن ذلك الغلام، وكان تحت يد السياف وقد تغيّر من كثرة ما حصل من الفزع، ثم إن الرسول لاحت منه التفاتة، فوجد ابن ملكه على نطع الدم، فعرفه وقام ورمى روحه عليه وكذلك بقية الرسل، ثم تقدموا وحلّوا وثاقه وقبّلوا يديه ورجليه، ففتح تاج الملوك عينيه، فعرف وزير والده وعرف صاحبه عزيز، فوقع مغشياً عليه من شدة فرحته بهما.

تصالح

ثم إن الملك شهرمان صار متحيراً في أمره، وخاف خوفاً شديداً، وتحقق مجيء هذا العسكر بسبب هذا الغلام، فقام وتمشى إلى تاج الملوك وقبّل رأسه ودمعت عيناه، وقال له: يا ولدي لا تؤاخذني ولا تؤاخذ المسيء بفعله، فارحم شيبتي ولا تخرب مملكتي، فدنا منه تاج الملوك وقبّل يده، وقال له: لا بأس عليك وأنت عندي بمنزلة والدي، ولكن الحذر أن يصيب محبوبتي السيدة دنيا شيء. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

اعتذار

وفي الليلة الواحدة والعشرين بعد السبعمئة، قالت شهرزاد: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك شهرمان قال: لا تخف عليها، فما يحصل لها إلا السرور، وسار الملك يعتذر إليه ويطيّب خاطر وزير الملك سليمان شاه، ووعده بالمال الجزيل، على أن يخفي من الملك ما رآه، ثم بعد ذلك أمر كبراء دولته أن يأخذوا تاج الملوك ويذهبوا به إلى الحمام ويلبسوه بدلة من خيار الملابس ويأتوا بسرعة، ففعلوا ذلك وأدخلوه الحمام وألبسوه البدلة التي أفردها له الملك شهرمان، ثم أتوا به إلى المجلس.

دنيا تهدد والدها

فلما دخل على الملك شهرمان وقف له هو وجميع أرباب دولته، وقام الجميع في خدمته، ثم إن تاج الملوك جلس يحدّث وزير والده وعزيز بما وقع له، فقال له الوزير وعزيز: نحن مضينا إلى والدك فأخبرناه بأنك دخلت سراية بنت الملك ولم تخرج والتبس علينا أمرك، فحين سمع بذلك جهّز العساكر، ثم قدمنا هذه الديار، وكان في قدومنا الفرح والسرور، فقال لهما: لا زال الخير يجري على أيديكما أولاً وآخراً، وكان الملك في ذلك الوقت قد دخل على ابنته السيدة دنيا، فوجدها تبكي على تاج الملوك، وقد أخذت سيفاً وركزت قبضته إلى الأرض وجعلت ذبابته على رأس قلبها وانحنت على السيف وصارت تقول: لا بدّ أن أقتل نفسي ولا أعيش بعد حبيبي.

الموافقة على الزواج

فلما دخل عليها أبوها ورآها على هذه الحالة، صاح عليها وقال لها: يا سيدة بنات الملوك لا تفعلي وإرحمي أباك وأهل بلدتك، ثم تقدّم إليها وقال لها: أحاشيك أن يصيب والدك بسببك سوء، ثم أعلمها بالقصة وأن محبوبها ابن الملك سليمان شاه يريد زواجها وقال لها: إن أمر الخطبة والزواج مفوض إلى رأيك، فتبسمت وقالت له: أما قلت لك إنه ابن سلطان. فقال لها: بالله عليك أن ترحمي أباك، فقالت له: رُح إليه وائتني به، فقال لها: على الرأس والعين، ثم رجع من عندها سريعاً ودخل على تاج الملوك وشاوره بهذا الكلام، ثم قام معه وتوجها إليها، فلما رأت تاج الملوك عانقته قدام أبيها وتعلقت به، وقالت له: أوحشتني، ثم التفتت إلى أبيها وقالت: هل أحد يفرط في مثل هذا الشاب وهو ملك ابن ملك؟ فعند ذلك خرج الملك شهرمان وأغلق الباب عليهما، ومضى إلى وزير أبي تاج الملوك ورسله وأمرهم أن يعلموا السلطان شاه بأن ولده بخير وعافية وهو في ألذّ عيش، ثم إن السلطان شهرمان أمر بإخراج الضيافات والعلوفات إلى عساكر السلطان سليمان شاه والد تاج الملوك، فلما خرجوا جميع ما أمر به أخرج مئة من الخيل ومئة هجين ومئة مملوك ومئة عبد ومئة جارية، وأرسل الجميع إليه هدية، ثم توجه بعد ذلك إليه هو وأرباب دولته وخواصه حتى صاروا في ظاهر المدينة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

تهيئة العرس

وفي الليلة الثانية والعشرين بعد السبعمئة، قالت شهرزاد: لما علم بذلك السلطان سليمان شاه تمشى خطوات إلى لقائه، وكان الوزير وعزيز أعلماه ففرح، وقال: الحمد لله الذي بلغ ولدي مناه، ثم إن الملك سليمان شاه أخذ الملك شهرمان بالحضن وأجلسه بجانبه، وصار يتحدث هو وإياه، ثم قدموا لهم الطعام فأكلوا حتى اكتفوا ثم قدّموا لهم الحلويات، ولم يمض إلا قليل حتى جاء تاج الملوك، وقدم عليه بلباسه وزينته، فلما رآه والده قام له وقبّله، وقام له جميع من حضر وجلس بين أيديهم ساعة يتحدثون.

فقال الملك سليمان شاه: إني أريد أن أكتب كتاب ولدي على ابنتك على رؤوس الأشهاد، فقال له: سمعاً وطاعة، ثم أرسل الملك شهرمان إلى القاضي والشهود، فحضروا وكتبوا الكتاب وفرح العساكر بذلك، وشرع الملك شهرمان في تجهيز ابنته.

تكريم عزيز

ثم قال تاج الملوك لوالده إن عزيزاً رجل من الكرام وقد خدمني خدمة عظيمة وتعب وسافر معي، وأوصلني إلى بغيتي، ولم يزل يصبر لي حتى قضيت حاجتي ومضى معنا سنتين وهو مشتت من بلاده، فالمقصود أننا نهيئ له تجارة لأن بلاده قريبة، فقال له والده: نعم ما رأيت، ثم هيأوا له مئة حمل من أغلى القماش وأقبل عليه تاج الملوك وودعه وقال له: اقبل هذه على سبيل الهدية، فقبلها منه وقبّل الأرض قدامه وقدام والده سليمان شاه، ثم ركب تاج الملوك وسافر مع عزيز قدر ثلاثة أميال، وبعدها أقسم عليه عزيز أن يرجع، وقال: بالله لولا والدتي ما صبرت على فراقك، فبالله عليك لا تقطع أخبارك عني، ثم ودعه ومضى إلى مدينته، فوجد والدته بنت له في وسط الدار قبراً، وصارت تزوره، ولما دخل الدار وجدها قد حلّت شعرها ونشرته على القبر وهي تفيض دمع العين وتنشد هذين البيتين:

بالله يا قبر، هل ذالت محاسنـه

أو قد تغيّر ذات المنظر النضر؟

يا قبر ما أنت بستان ولا فلـك

فكيف يجمع فيك البدر والزهر؟

ثم صعدت الزفرات وأنشدت هذه الأبيات:

ما لي مررت على القبور مسلّما

قبر الحبيب فلم يرد جـوابـي؟

قال الحبيب: وكيف لي بجوابكم

وأنا رهين جـنـادل وتـراب؟

أكل التراب محاسني فنسيتكـم

وحُجبت عن أهلي وعن أترابي

فلما أتمت شعرها إلا وعزيز داخل عليها، فلما رأته قامت إليه واحتضنته وسألته عن سبب غيابه، فحدثها بما وقع له من أوله إلى آخره، وأن تاج الملوك أعطاه من المال والأقمشة مئة حمل من القماش ففرحت بذلك.

النهاية السعيدة

وصلت شهرزاد في الليلة الثانية والعشرين بعد السبعمئة، أما ما كان من أمر تاج الملوك، فإنه تزوج بمحبوبته دنيا، ثم إن الملك شهرمان شرع في تجهيز ابنته للسفر مع زوجها وأبيه، فأحضر لهم الزاد والهدايا والتحف، ثم حملوا وسار معهم الملك شهرمان ثلاثة أيام لأجل الوداع، فأقسم عليه الملك سليمان شاه بالرجوع، فرجع وما زال تاج الملوك ووالده وزوجته سائرين في الليل والنهار، حتى أشرفوا على بلادهم وزينت لهم المدينة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والعشرين بعد السبعمئة، قالت شهرزاد: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك سليمان شاه لما وصل إلى بلده جلس على سرير مملكته وابنه تاج الملوك في جانبه، ثم أعطى ووهب وأطلق من كان في الحبوس، ثم عمل لولده عرساً ثانياً، واستمرت به المغاني والملاهي شهراً كاملاً. وازدحمت المواشط على السيدة دنيا وهي لا تملّ من الجلاء، ولا يمللن من النظر إليها، ثم دخل تاج الملوك على زوجته بعد أن اجتمع مع أبيه وأمه وما زالوا في ألذ العيش وأهنئه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

الجريدة - القاهرة