انطلق القاتل بأقصى سرعة من مسرح الجريمة، وتلاحقت أنفاسه طوال الطريق، وكان عليه أن يقطع مسافة طويلة، حتى يصل إلى منطقة عمرانية، وسيطر عليه الخوف في تلك الساعة المتأخرة من الليل، والسيارات تطوي الطريق، بينما يحمل حقيبة النقود، ومشى بغير هدى، حتى رأى بصيص ضوء ينبعث من واجهة مقهى، وهناك ارتمى على أول مقعد، وعجز عن التفكير في اللحظات المقبلة.

مرت أمام عينيه مشاهد مضببة، كأنه في كابوس لا يستطيع الفكاك منه، وقطع النادل استغراقه في التفكير، وسأله عن طلبه، ونبهه إلى أن المقهى يوشك أن يغلق، فسأله عن موقف السيارات لأنه يريد الذهاب إلى القاهرة، فأشار ناحية شخص يجلس إلى طاولة قريبة، وقال إنه يمكنه الذهاب معه، فشكره ومنحه بعض المال، فنادى النادل السائق، وأخبره بالأمر، وتمت الصفقة في أسرع وقت، وتحركت السيارة نحو الطريق الرئيسي.

Ad

تجاذب السائق أطراف الحديث مع الراكب الغامض، فأخبره أنه يعمل سائقاً مثله، وأن الظروف دفعته للعودة إلى القاهرة في ذلك الوقت المتأخر، عقب خلافات مالية مع أحد أقاربه، وأنه لا يريد أن يتحدث كثيراً في هذا الموضوع، وأغمض عينيه ليقطع ملاحقته له بأسئلة بمزيد من الأسئلة، قبل أن يسود صمت كبير بينهما حتى وصولهما إلى القاهرة.

ظن القاتل أنه أفلت من قبضة العدالة، بابتعاده عن مسرح الجريمة من دون أن ينتبه إلى الخيوط المتشابكة التي تلتف حوله، وابتلعته شوارع القاهرة، وتوجه إلى منزل أحد أقاربه، وطلب منه المبيت عنده مدة يومين، لقضاء بعض الأعمال الخاصة به، وحاول مضيفه أن يخفي ارتيابه في الأمر، ورحّب بوجوده معه، وفي اليوم التالي، كانت الشرطة تطرق باب منزله، وتقتاد المتهم الهارب إلى السجن.

بدت ملامح المتهم جامدة، وكأنه غير مكترث بالقبض عليه، وفي غرفة التوقيف، أدرك أنه لن يعود مرة أخرى إلى عمله سائقاً، وأنه فقد إدراكه بما حوله، وقد حاصره ضجيج ينبعث من رأسه المزدحمة بمشاهد ليلة الجريمة، وكانت أشد وطأة من الأغاني الصاخبة التي لا يكف عن تشغيلها أثناء قيادته "الميكروباص" من دون أن يستجيب للركاب بخفض الأصوات المزعجة، ويصل الأمر في بعض الأحيان إلى مشادة كلامية، وتلاشت أفكاره، حين أمره السجّان بالذهاب معه إلى غرفة التحقيق.

الطعنة الغادرة

وقعت تلك الجريمة خلال الشهور القليلة الماضية، وأحدثت صدمة مؤلمة لأسرة الضحية، وأثارت الأسى في نفوس سكان المنطقة، وقد جاءت الطعنة الغادرة من صديق العمر، وتجرد تماماً من آدميته، ولعب الشيطان برأسه، وزين له أن يقتل صديقه من دون وازع من ضمير، وأزهق روحه عمداً من أجل الاستيلاء على المال، ولم يفكر أنه سيسقط في قبضة العدالة بتلك السرعة، ويقع سجيناً خلف القبضان الحديدية، وينتظر الحكم بالسجن أو الإعدام.

بدأت تفاصيل الجريمة، حين أغلق "سيد" هاتفه، حتى لا يرد على اتصالات زوجته، وقابل صديقه "عادل" في المقهى، ووافق الأخير على السفر معه في صباح اليوم التالي، وتبادل الصديقان الحديث عن الشركة الخاصة التي عملا بها سائقين، عقب حصولهما على الشهادة المتوسطة، وأن الظروف باعدت بينهما، بعد قرار فصل عادل من وظيفته، وانشغال كل منهما في حياته الخاصة.

في تلك الليلة، استبد الأرق بالصديق العاطل، وطاردته فكرة شيطانية بالاستيلاء على أموال الشركة، لأنه فقد مصدر دخله، وعمل سائقاً بالأجرة على سيارة "ميكروباص" يمتلكها أحد جيرانه، وتكررت الخلافات بينهما، وبعدها وجد نفسه بلا عمل، ودخل في دوامة الحصول على مستحقاته المالية من الشركة، ولجأ إلى أحد المحامين لتحريك القضية، ومضت نحو ستة أشهر من دون أن يحصل على شيء، وتأجل حلمه بإقامة مشروعه الخاص.

تضاربت الأفكار في رأس عادل، وظل يتقلب في فراشه، من دون أن يستسلم للنوم، ووجد أن فرصة الحصول على مستحقاته، جاءته في الوقت المناسب، وعليه أن يقنع صديقه بخطته الإجرامية، وكان الأمر سهلاً بالنسبة إليه، فهو لم يقدم على الزواج بعد، ويعيش بمفرده في شقة الأسرة بعد وفاة والديه، بينما "سيد" لديه زوجة وطفل، ومن الصعب أن يضحي باستقراره، ويعرِّض نفسه للمساءلة، أو يفقد وظيفته من أجل حفنة أموال.

بحث عادل عن طوق نجاة، ولم يجد أمامه سوى استرداد مستحقاته بشكل غير مشروع، حتى يخرج من ضائقته المالية، وطاردته الهواجس أنه سيفشل في إقناع صديقه، وسيضطر لاستخدام القوة، حتى ينتزع منه المال، واضطربت أفكاره تماماً، وبات عاجزاً عن العثور على حلٍ مناسب، وقبل خروجه للسفر مع صديقه، نظر إلى أرجاء شقته، وتأمل صور والديه المتوفيين وكأنه يودعهما للمرة الأخيرة.

مهمة سرية

عندما كلفت الشركة السائق "سيد" لتلك المهمة، نبهه المدير إلى ضرورة توخي الحذر والسرية، لأن المهمة تتعلّق بمستقبله الوظيفي، وقال له إنه اختاره لأمانته وثقته الشديدة به، وعليه أن يذهب إلى المكان المحدد، ويأتي في اليوم التالي، ومعه المبلغ المطلوب، وحينها سيمنحه مكافأة مالية.

استشعر سيد خطورة المهمة، ولجأ إلى صديقه القديم، وعرض عليه أن يشاركه السفر، مقابل أن يقتسم معه المكافأة التي سيمنحها له مدير الشركة، وسأله عادل عن قيمة المبلغ المطلوب، ودارت الفكرة الشيطانية في رأسه، واعتزم أن يأخذ مستحقاته المتأخرة، وأرجأ إقناع صاحبه إلى حين عودتهما من السفر، وأمامه الساعات المتبقية من الليل، ليعثر على حيلة مناسبة، من دون أن يلجأ إلى العنف، ويخسر كل شيء.

الجريمة الغامضة

استبد القلق بزوجة سيد على الرغم من اعتيادها تأخره لظروف عمله، لكنه قبل خروجه في الصباح، أخبرها أنه سيعود قبل الغروب، وانتظرت أن يهاتفها من دون فائدة، وحارت ماذا تفعل للاطمئنان عليه، وفقدت قدرتها على التماسك، حين وجدت هاتفه خارج التغطية، وأعادت الاتصال به أكثر من مرة، وانهارت أعصابها تماماً، وهاتفت والدها لتخبره بالأمر، وبعد دقائق تقابل أفراد الأسرة في منزل الغائب، وقرروا إبلاغ الشرطة.

في ذلك الوقت، عثر بعض الأهالي على جثة شاب ملقاة بجوار سيارة مهشمة، وهرعت الشرطة إلى مكان الحادث، وأثبت الفحص المبدئي أنه حادث تصادم، وتبين لاحقاً أن الضحية أصيب بعدة طعنات في أماكن متفرقة من جسده، وفارق الحياة، وجرى نقل جثمانه في عربة الإسعاف إلى المستشفى، والاتصال بأهله من خلال العنوان المثبت في هويته الشخصية.

وعلى الفور بدأت التحريات المكثفة، للكشف عن هوية الجاني، وتبين أن مرتكب الواقعة صديقه عادل، عقب معرفته بسفر الضحية إلى مدينة طنطا بمحافظة الغربية (شمال غربي القاهرة) لتحصيل مبلغ 25 ألف جنيه خاص بالشركة، فطلب منه مرافقته، وفي الطريق طلب منه إعطاءه جزءاً من المبلغ المحصَّل، بزعم عدم حصوله على مستحقاته المالية من الشركة، فرفض المجني عليه، وحدثت بينهما مشادة كلامية تعدى عليه خلالها بسلاح أبيض (مدية) وأصابه بعدة طعنات أودت بحياته.

وعقب تنفيذ الجريمة استولى الجاني على المبلغ المالي المحصل، وهشَّم السيارة، وأزاحها عن الطريق الرئيسي، وألقى الجثة بجوارها، حتى يوحي بأنه حادث تصادم، وتخلص من أداة الجريمة وهاتف المجني عليه بإلقائهما وسط الزراعات، وفر هارباً من المكان، وقرّر أن يختفي عن مسكنه لعدة أيام، حتى يفكر في وسيلة تنأى به عن دائرة الاشتباه في قتله صديق عمره.

وبعد تقنين الإجراءات القانونية، جرى ضبط المتهم، وبمواجهته اعترف بارتكاب الواقعة، وأرشد عن جزء من المبلغ (5500 جنيه) من إجمالي المبلغ المستولى عليه، وأقر بإنفاقه باقي المال، وبعرضه على النيابة قرّرت حبسه أربعة أيام على ذمة التحقيقات.

غرفة التوقيف

استغرق اكتشاف غموض الجريمة ساعات قليلة، وتكثَّفت التحريات لمعرفة هوية المجني عليه، وتبيَّن أن اسمه "سيد"، واتجهت أصابع الاتهام إلى صديق عمره "عادل" كآخر شخص كان معه، وأفاد الشهود أنه استقل عربة الشركة مع صديقه قبل وقوع الجريمة، واختفيا عن الأنظار.

فقد المتهم اتزانه العقلي، ولم يعرف هل كان يحلم، أم أنه قاتل وخائن للصداقة، ليجد نفسه في قبضة الشرطة، وأودع غرفة التوقيف لحين مثوله أمام التحقيق، وهناك انتحى في أحد الأركان، وظل صامتاً بينما تدوي في أذنيه صرخات صديقه القتيل ويرى دماءه النازفة، وفراره من مسرح الجريمة.

وفي صباح اليوم التالي، اقتيد من محبسه، وظهرت عليه علامات الاضطراب والخوف، كأنه ذاهب إلى غرفة الإعدام، وأفاق من خيالاته حين دخل إلى مكتب المحقِّق، ووجد أمامه أداة الجريمة "المدية" وهاتف صديقه، وحاصرته الأدلة، وغلبه التوتر، وقدماه لا تقويان على حمله، فأشار إليه المحقق بالجلوس، وبدأ التحقيق مع المتهم بقتل صديق عمره، وكشف دوافع جريمته البشعة.

اعترافات الجاني

أحداث الواقعة كشفها بلاغ ورد إلى مركز شرطة قليوب، بالعثور على جثة سائق على جانب الطريق وبها جروح متفرقة، وانتقل رجال المباحث إلى موقع الحادث، وبمناظرة الجثة تبيّن أنها لسائق مقيم في منطقة المرج بالقاهرة، وبها جروح متفرقة وعثر بطيات ملابسه على حافظة نقوده وبداخلها بطاقة تحقيق شخصيته ورخصة قيادة خاصة، ومبلغ مالي، وكذا العثور على سيارة ربع نقل بناحية أول الطريق الدائري من الطريق الحُر اتجاه محافظة الجيزة، تبين أنها خاصة بالشركة التي يعمل بها المجني عليه سائقاً، ويوزِّع منتجاتها على العملاء، وأنه كان في طريق العودة من مدينة طنطا بالغربية وبحوزته مبلغاً مالياً من متحصلات توزيع تلك المنتجات.

وتوصلت التحريات إلى أن وراء ارتكاب الواقعة "عاطل" مقيم في محل إقامة المجني عليه، وعقب تقنين الإجراءات جرى ضبطه وبمواجهته اعترف بارتكاب الجريمة، وارتباطه بعلاقة صداقة مع المجني عليه منذ سنوات الدراسة، وعملهما سوياً بالشركة ذاتها، ولكن جرى فصله من العمل قبل نحو ستة أشهر من حدوث الحريمة.

وتابع المتهم اعترافه، ببأنه تقابل مع المجني عليه قبل وقوع الجريمة بيوم واحد، وأخبره بسفره إلى مدينة طنطا بمحافظة الغربية لتحصيل مبلغ خاص بالشركة، وطلب منه مرافقته، وفي الطريق التمس منه المتهم إعطاءه جزءاً من المبلغ المُحصَّل، ولكنه رفض ناعتاً إياه بالجنون، وحدثت بينهما مشادة كلامية أفضت إلى ارتكابه الجريمة، وأمرت النيابة بتشريح ودفن جثة السائق القتيل، وحبس المتهم على ذمة القضية.

وجدَّد قاضي المعارضات حبس قاتل صديقه في المرج لمدة 15 يوماً على ذمة التحقيقات بتهمة القتل العمد، وبسؤال المتهم قال: "القتل حدث بالمصادفة، لأنني وافقت على السفر معه لأسرق منه المبلغ، كي أنتقم من الشركة التي فصلتني من عملي، ولمّا رفض إعطائي النقود ضربته، والأمر كله لم يستغرق ثلاث دقائق".

وكشفت تحقيقات النيابة، أن المتهم وضع خطة الجريمة وبيت النية ليغدر بصديقه، بعدما توجه معه لتحصيل مبلغ مالي خاص بالشركة التي يعمل فيها، فحاول المتهم الاستيلاء على المبلغ لكن المجني عليه بدأ في تهدئته وتبصيره بما ستؤول إليه التحقيقات في حالة تعرضه للسرقة، وعندها سيكون ملزماً برد المبلغ للشركة، ولم يتفهم المتهم تلك الحقيقة وأقدم على قتله.

هشام محمد