نبحث هنا في أوراق ما تعارف الكويتيون على تسميته بالتيارات والقوى السياسية، وربما تكون تسمية موفّقة، ذلك أن التمعّن في أداء التجمعات السياسية في الكويت يصعب معه إطلاق وصف الأحزاب السياسية أو الجمعيات السياسية عليها، ومن ثم فوصف التيارات والقوى السياسية ربما يكون أسلم وأدقّ.

فلا نعرف في الكويت حقيقة مفهوم الحزب السياسي، نظراً لضحالة تكوين التجمعات السياسية، بصورة عامة، بالرغم من محاولات البعض منها أن يُوجد له كياناً سياسياً وهياكل تنظيمية، حتى يصدق عليها وصف الأحزاب السياسية، إلّا أنها بعيدة عن ذلك، وهو ما تؤكده أدبياتها وهياكلها التنظيمية ومسيرتها السياسية، الأمر الذي يحسن معه بحقّها وصف التيارات والقوى السياسية.

Ad

ولعل العلامة الفارقة، التي تعزز كونها ليست أحزاباً بحق، هو عدم وجود العمق الفكري لها، بقدر كونها تتبنى توجهاً فكرياً مرناً يتوافق مع طبيعتها الكويتية، فكلّ القوي السياسية تفتقد فلسفة فكرية مؤطرة سياسية، فضلاً عن افتقادها البرنامج السياسي المعروف لدى الأحزاب بشموليته وتفصيلاته، والذي تقدّم من خلاله رؤية بديلة لأسلوب إدارة الدولة، كما أنها تفتقد عناصر التخصص النوعي الذي تتّسم به الأحزاب، فلا تجد فيها ما يمكن أن يماثل ما يُعرف بحكومات الظل التي تملكها الأحزاب عادة من خلال شخصيات مؤهلة ومختصة وقادرة على القيام بمهام نظيرة للوزراء.

ومن هنا، فإنّ أطروحات القوى والتيارات السياسية تتسم بأنها تتصل بجانب أو جانبين من أعمال الحكومة، وتحديداً الدور المجتمعي أو الخدمي وبعض الأفكار الاقتصادية الحياتية، مغلّفة بنظرة عامة للطرح الإصلاحي العام والمتذمر من تفشي مظاهر الفساد والمحسوبية والفوضى وغياب المعايير في حقوق وظيفية أو بعض حقوق المواطنة.

لكنّ ما يغيب فعلاً هو ذاك النّسق المتكامل لرؤية وبرنامج محدد للإصلاح السياسي والتنموي، الذي يواجه معضلات البلد، ولعل ما يدللّ على ذلك هو التحالفات الأنية التي حظيت بها التيارات والقوى السياسية مع السلطة في مراحل عديدة من تاريخ الكويت البرلماني، فكانت شريكاً مباشراً في تكوين الحكومة، ولم تتمكن من تغيير النهج والنمط التقليدي لإدارة الدولة، فكل التيارات السياسية الفاعلة برلمانياً واجتماعياً في كل مرحلة من المراحل؛ سواء كان تياراً قومياً أو بأطروحات الذاتية الوطنية أو الملامح الإسلامية أو حتى البورجوازية التجارية، أو المنظومة الاجتماعية، كانت يوماً ما حليفاً للسلطة في إدارة الدولة بمناصب وزارية وبرلمانية، بل وإدارة عامة عليا، لكنها لم تكن على تأهيل كافٍ لتحدث نقلة نوعية في إدارة الدولة، بل كانت مسايرة للإدارة التقليدية ومكرّسة لسياساتها ومسارها النمطي والبدائي في إدارة شؤون الدولة، لكونها لا تملك أصلاً لا برنامجاً ولا تأهيلًا ولا قدرة للإسهام النوعي في إدارة الدولة، ولذا لا يمكن أن تسمى أحزاباً بقدر ما كانت تيارات وقوى سياسية محدودة الرؤية والقدرة، وهو مكمن عدم إثرائها للعمل الحكومي وتغيير النمط السياسي لإدارة الدولة.

والمراجعة الشاملة لأسماء شخصيات تلك التيارات التي حظيت بالمهام والمناصب السياسية، عبر الستين سنة الماضية، تؤكد ذلك. حتى حينما شكلت وزارة الائتلاف السياسي للقوى والتيارات المختلفة عام 1992، مع تمتّعها بعمق الأغلبية البرلمانية؛ لم يتغيّر نهج الدولة السياسي، ولم تشهد برنامجاً سياسياً يعبّر عن ذلك التحالف الواسع غير المسبوق، لأنّ كل التيارات السياسية فاقدة لرؤية وبرنامج متماسك للنهوض بالدولة، وتسييرها معظم الأحيان الاجتهادات الفردية لقياداتها الآنية، وليس عملها السياسي المؤسسي، وهو ما كانت نتيجته الاستجابة للإدارة النمطية والتقليدية للعمل الحكومي، وهو أساساً عمل فردي لا ينطلق من رؤية ولا برامج، مما ساهم في تكريس إدارة حكومية تعمل بردّة الفعل على تقديم الخدمات النمطية، اعتماداً على وفرة مالية، لا على رؤية برامجية محددة. وهي فرصة لتعرف التيارات والقوى السياسية، التي بلغت أسوأ مراحلها وقدرتها اليوم، أنها كانت هي أيضاً عاملاً من عوامل إشكالية الدولة والحالة العامة للبلد، وعليها أن تعيد التفكير في نمط عملها ودورها السياسي.

محمد المقاطع