في ظل تحلُّل مؤسسات الدولة اللبنانية، وغياب السلطة الأصيلة بفعل الصراع السياسي، يتنامى منذ فترة دور المجالس ذات الطابع العسكري أو الأمني، فاستُعيض عن الحكومة بالمجلس الأعلى للدفاع، وعن الاجتماعات الوزارية بالاجتماعات الأمنية.

هذه المشاهد لم تعد تفصيلاً عابراً في لبنان، مادامت تتزامن مع دعوات متكررة من شخصيات سياسية لبنانية حول ضرورة تسلّم الجيش للسلطة، إما من خلال حكومة عسكرية انتقالية، وإما من خلال دعوات هامسة في الكواليس ومطابخ السياسة للذهاب إلى تسوية سياسية جديدة مستقبلاً تؤدي إلى انتخاب قائد الجيش رئيساً للجمهورية.

Ad

جملة عوامل وتطورات قادت إلى تسليط الأضواء على الجيش، وتحديداً منذ «17 تشرين» عندما رفضت المؤسسة العسكرية الوقوف بوجه المتظاهرين، ولم يخضع قائد الجيش جوزيف عون لكل الضغوط التي مورست عليه لاستخدام القوة بحق المنتفضين. وهو موقف بُني عليه كثيراً في الداخل اللبناني وفي الخارج، وأبدت جهات دولية كثيرة اهتمامها بالمؤسسة العسكرية، بينما راكم قائد الجيش من رصيده بعد تفجير مرفأ بيروت، فلم يكن لدى المجتمع الدولي والجهات المانحة ثقة إلا بالمؤسسة العسكرية لتلقي المساعدات الإنسانية والطبية لتوزيعها على المتضررين، بعد انهيار كل عوامل الثقة بالطبقة السياسية.

إلى اليوم، لا تزال المؤسسة العسكرية هي الجهة الوحيدة التي تحظى بثقة المجتمع الدولي، وترتبط بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول العربية. وحتى بعد أزمة توريد الخضار والفاكهة إلى السعودية، فإن الأنظار تتجه نحو ما ستقوم به المؤسسة العسكرية من مداهمات لمصانع الكبتاغون، أو ضبط الحدود ومنع التهريب، من خلال الإجراءات التي لابد أن تتخذ وكانت حاضرة في الاجتماع الذي دعا إليه رئيس الجمهورية، لوضع خطة عملية لوقف التهريب واستعادة ثقة المجتمع العربي.

يفرض الواقع القائم رهاناً لدى بعض القوى السياسية أو المدنية أو الاجتماعية على الجيش لقيادة مرحلة انتقالية، وهو موقف تتداول به جهات متعددة كانت ناشطة وفاعلة في انتفاضة «17 تشرين».

ولكن لابد من الإشارة إلى أهمية الحسابات السياسية الدقيقة في مثل هذه الحالات، فإن أهداف بعض القوى السياسية قد تختلف عن أهداف قوى المجتمع المدني، وإن التقت على فكرة واحدة.

الكلام السياسي عن ضرورة لعب الجيش دوراً أساسياً يأتي بسبب الانقسام الحاد الحاصل، وانسداد أفق التسويات السياسية وإبرامها مع رئيس الجمهورية ميشال عون وصهره جبران باسيل. وبحسب ما تقول مصادر سياسية بارزة في لبنان، فإن هناك من يفكر في إعادة إحياء تجربة عام 2008، والتي أدت إلى تسوية انتخاب قائد الجيش، حينها، ميشال سليمان رئيساً للجمهورية. وجاءت التسوية بعد استعصاء سياسي وتوتر أمني وعسكري شهده لبنان وعاصمته بيروت.

لم تكن التسوية يومها منفصلة عن سياق إقليمي ودولي أيضاً، مع حصول متغير أساسي في الولايات المتحدة الأميركية ووصول الديمقراطيين إلى السلطة مع انتخاب باراك أوباما، وحينها أرادت إيران تهدئة الجبهات مع واشنطن، والبدء بالتفاوض حول الملف النووي، الذي استمر طوال سنوات وصولاً إلى عام 2015.

في تلك الفترة، انسحبت التهدئة الإيرانية- الأميركية على الوضع في لبنان أيضاً، وانعكست تهدئة سعودية- إيرانية استمرت بين عامي 2008 و2011، قبل أن تتدهور الأوضاع مجدداً وتسقط كل التسويات. حالياً تعيش المنطقة مرحلة جديدة من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، وإيران والسعودية. هذه المفاوضات هناك في لبنان من يسعى إلى سحبها لمصلحته، والذهاب إلى خطوات سياسية «تهدوية وتسووية»، خارج سياسة الأحلاف والمواجهات التي أدت في مرحلة من المراحل إلى انتخاب عون رئيساً للجمهورية، فانتصر طرف على الآخر. تلك المرحلة انتهت سياسياً، بكل مقوماتها، على أنقاض الاقتصاد اللبناني. وبما أن عون وفريقه غير قادرين على تقديم المزيد، وليس هناك أي مقبولية لإنجاز تسوية جديدة معه، تخرج مثل هذه الأفكار الداعية إلى تحضير الأرضية مستقبلاً لتسوية جديدة تؤدي إلى التوافق على قائد الجيش.

الطريق طبعاً غير سهل، ولن يكون معبّداً بالورود، هناك الكثير من المحطات الخطيرة التي سيمر بها لبنان.

منير الربيع