شهدت إسرائيل تحولاً جذرياً في وضعها السياسي خلال الشهر الماضي، وللمرة الأولى في تاريخ البلد، يُعتبر حزب عربي شريكاً شرعياً في تشكيل الائتلاف الحاكم، حيث جاء هذا التحول من جهة مستبعدة بالكامل: بنيامين نتنياهو.

يريد نتنياهو أن يُركّز إرثه على اتفاقيات السلام مع الإمارات العربية المتحدة والبحرين والمغرب، أو تلقيح جميع السكان ضد فيروس "كوفيد19"، وسيتذكره الناس أصلاً باعتباره المسؤول الذي تولى رئاسة الحكومة الإسرائيلية لأطول فترة والسياسي الأكثر فساداً فيها، لكن يبقى إرث نتنياهو رغم كل شيء غير متوقع، فهو الزعيم الذي أعطى الشرعية لأصوات العرب في إسرائيل.

Ad

تسمّر الإسرائيليون أمام شاشاتهم لسماع منصور عباس، السياسي الذي كان مجهولاً وسط الإسرائيليين منذ أشهر قليلة. عُرِض خطابه في وقت الذروة على جميع القنوات الإسرائيلية، وهي ظاهرة لم تحصل منذ أن ألقى الرئيس المصري أنور السادات خطاباً تاريخياً في الكنيست الإسرائيلي في العام 1977، فمهّد بذلك لإقرار معاهدة السلام بين إسرائيل ومصر بعد سنتين. هل يمكن اعتبار هذا الخطاب مماثلاً؟

يستطيع عباس اليوم أن يشارك في تحديد هوية الجهات التي ستشكّل الحكومة المقبلة في إسرائيل، فهو لم يتكلم عن هويته الفلسطينية أو القضية الفلسطينية عموماً، ولم يذكر شيئاً عن قانون الدولة القومية الذي حاولت الأحزاب العربية واليسار الإسرائيلي إلغاءه، ولم يتطرق أيضاً إلى استمرار الاحتلال الإسرائيلي وبناء المستوطنات، بل إنه تكلم عن اليهود والعرب في إسرائيل وعن تفهّم الآخرين والتعلم منهم والتطلع إلى مستقبل مبني على التعايش، فقال: "القواسم المشتركة بيننا أكثر من خلافاتنا".

عباس هو زعيم حزب "راعم" الذي يمثّل الحركة الإسلامية في إسرائيل، حيث فاز هذا الحزب بأربعة مقاعد في الانتخابات الإسرائيلية في الأسبوع الماضي، وقد ينجح في كسر الجمود القائم بين المعسكرَين المتناحرَين في السياسة الإسرائيلية: المعسكر الذي يريد بقاء نتنياهو في الحُكم، والمعسكر الذي يعارضه.

كان عباس وزملاؤه العرب يُعتبَرون حتى الفترة الأخيرة أعضاءً غير شرعيين في أي ائتلاف حاكم، لكنهم باتوا الآن من الجهات المؤثرة في السياسة الإسرائيلية.

في الأسبوع الماضي، اتخذ نتنياهو خطوة كانت تُعتبر مستحيلة لإضافة حزب "راعم" إلى ائتلافه، ولاحظت الأحزاب اليهودية الدينية وغير القومية تعدد القواسم المشتركة التي تجمعها بالحزب الإسلامي الذي يرأسه عباس وتشابه الرؤية الدينية المحافِظة لدى الطرفَين.

لكن يواجه نتنياهو مأزقاً سياسياً لأن شركاءه اليمينيين المتطرفين، لا سيما المنتمين منهم إلى الحزب الصهيوني الديني الذي يشمل المتعصبين اليهود، أوضحوا أنهم لن يشاركوا في أي ائتلاف مدعوم من الأحزاب العربية. لا يستطيع نتنياهو أن يتحمّل خسارة أصوات اليمين المتطرف إذا أراد أن يحصد الأغلبية في الكنيست.

لقد أكّد المعسكر اليميني المحافظ على ما يعرفه الإسرائيليون أصلاً: وحده هذا الفريق يستطيع إحداث تغيرات جذرية في السياسة الإسرائيلية. هكذا كان الوضع حين وقّع مناحيم بيغن على معاهدة السلام مع أنور السادات في عام 1979، ولا يزال الوضع على حاله بعد مرور أربعين سنة، فيما يحاول نتنياهو ضم أحزاب عربية إلى الحكومة.

من المستبعد أن تدوم هذه الأجواء الإيجابية مع عباس لفترة طويلة، لكن لن يتمكن نتنياهو من تغيير ما فعله لاحقاً، وخلال الجولة المقبلة من الانتخابات الإسرائيلية (قد تحصل هذا الصيف على الأرجح)، ستُعتبر جميع الأحزاب العربية شريكة معترفاً بها في أي ائتلاف حاكم.

الأهم من ذلك هو أن اليهود والعرب في إسرائيل، وللمرة الأولى في تاريخهم، بدؤوا يفتحون المجال أمام إقامة تعاون سياسي في أعلى مراتب السلطة، وسيكون هذا التطور جزءاً من إرث نتنياهو طبعاً.

روني أوليسكر - ريل كلير