اقتحمت الفنانة رجاء الجداوي عالم التمثيل، بعد أن تركت عملها في «الكراج» وراتبها الشهري البالغ سبعة جنيهات فقط، وذات يوم كانت في حفلة بحديقة الأندلس برفقة والدتها، فوجئت أثناء سيرها بأشخاص يقتربون منها، ويلبسونها «وشاحاً» لتجد نفسها تشارك في مسابقة ملكة جمال القطن المصري، وسبقها اختبار ثقافي نجحت فيه بجدارة. وانتخبت ملكة جمال العام حينها، وأخبروها أنها ستسافر إلى فرنسا للمشاركة في مسابقة الجمال، وحدثت مشكلة من إحدى المتسابقات بعد أن شككت والدتها في النتيجة، ورحلت من دون جائزة، ويومها كان المخرج هنري بركات موجوداً ورشحها للمشاركة في فيلم «دعاء الكروان» مع النجمة فاتن حمامة.

وفي أول يوم تصوير، ذهبت رجاء إلى غرفة الماكياج الخاصة بالنجمة الكبيرة فاتن حمامة، ودخلت دون استئذان، فطالبتها سيدة الشاشة بالخروج من الغرفة وطرق الباب، وتعلمت في هذا العمل حب الالتزام وكيفية التعامل مع المحيطين بها، ويومها قرَّرت أن تفكر في كيفية فرض الاحترام على الآخرين من خلال تعاملها معهم.

Ad

وكانت مشاركتها في فيلم «إشاعة حب» الأصعب في مسيرتها، لأنها في بدايتها، وكان من بطولة قمم فنية مثل يوسف وهبي وعمر الشريف وسعاد حسني وعبدالمنعم إبراهيم، وشعرت رجاء بتوتر شديد في «بلاتوه التصوير»، لكنهم ساعدوها كثيراً لتظهر بشكل جيد، لأنهم كانوا نجوماً رائعة تحب وتساعد الجميع.

وخلال مشوارها تعلمت من فاتن حمامة وسميحة أيوب الالتزام والتمثيل وتعلمت من أشرف عبدالغفور اللغة العربية، وعندما عملت في مسلسل «العائلة» مع الفنان محمود مرسي، كان يعاملها بمودة شديدة، ووقف بجانبها طوال فترة التصوير.

وتميزت الفنانة رجاء الجداوي بإطلالتها الأنيقة، وسلوكها الملتزم، وعملت مع أجيال من النجوم، وأحبت الأجيال الشابة مثلما أحبوها، وشاركت في أعمالهم سواء في السينما أو الدراما التلفزيونية، لكنها لمست بعض التغيُّرات في الوسط الفني، وغياب روح الفريق لدى البعض، وتَسارُع إيقاع الزمن على عكس ما كان في الماضي، وأن الجيل الجديد رائع لأنه يعيش في ظروف أصعب مما مر به جيلها، وأن هناك أعداداً كبيرة من الشباب، فرضوا حضورهم على الشاشة، لأنهم يمتلكون الموهبة، ولم يكن لديها أي موانع للتعاون معهم، لكنها لم تكن تستطيع العمل مع مخرج أو فنان أو حتى شخص عادي لا تحبه، لأنها شخص مسالم يحركه الحب، وتحب كل الناس، وصلتها لا تنقطع بأحد، وكانت لديها قناعة بأن الفنان الحقيقي هو الذي يشعر بزملائه وكل من يحيط به ويساعدهم.

معسكر البنات

توالت أعمال نجمة الأناقة في السينما، وخلال فترة الستينيات من القرن الماضي ظهرت على الشاشة في أفلام قليلة، نظراً لانشغالها الدائم بعروض الأزياء، التي كان يحضرها سيدات المجتمع والنجمات المشهورات وأبرزهن كوكب الشرق أم كلثوم، ولم يغامر المخرجون بإعطائها أدوار البطولة، رغم طلتها المميزة بملامحها المصرية، وتلقائيتها في تجسيد الشخصيات، واكتفت بشهرتها كعارضة أزياء، وظل التمثيل يراودها كهواية، لا سيما أن خالتها تحية كاريوكا، حذرتها من دخول الوسط الفني بما فيه من معاناة وشقاء.

وظهرت الجداوي في فيلم «معسكر البنات» عام 1967، تأليف إبراهيم الورداني وإخراج خليل شوقي وقامت بدور الفتاة «انصاف» أمام النجوم أحمد مظهر وعزت العلايلي وليلى طاهر وسمير صبري وجلال عيسى ونوال أبوالفتوح ومديحة حمدي وجورج سيدهم، ودارت أحداثه في إطار كوميدي، حول معسكرين متجاورين في منطقة «أبو قير» بمدينة الإسكندرية الساحلية، الأول للطلاب والآخر للطالبات، وتحاول المشرفة «نادية» أن تفصل دوماً بين البنات والبنين، أما المشرف «حسن» الذي يتولى معسكر الطلاب، فإنه يبدو منفتحاً، ويحاول إتاحة الفرص للشباب للاستمتاع بالإجازة، وشيئاً فشيئاً تتلاقى وجهات النظر.

وفي العام ذاته، تعاونت للمرة الثانية مع المخرج فطين عبدالوهاب في فيلم «كرامة زوجتي» المأخوذ عن قصة الكاتب إحسان عبدالقدوس، بعد ظهورها في «إشاعة حب»، وأسند إليها دور «سهير» أمام النجمة شادية وصلاح ذوالفقار وعادل إمام وجورج سيدهم وشريفة ماهر، ودارت أحداثه في إطار كوميدي حول المحامي «محمود» المضرب عن الزواج، ويحاول التقرب إلى «نادية» زميلته في النادي لمدة خمس سنوات ولكنها تصده ما يضطره إلى طلب الزواج منها، وتشترط عليه أن يخلص لها، ويوافق محمود، وتتوالى الأحداث.

وشاركت رجاء الجداوي في فيلم «أيام الحب» عام 1968، إخراج حلمي حليم وبطولة أحمد مظهر وعبدالمنعم إبراهيم وصلاح منصور وزوزو ماضي وعادل أدهم ومحمد رضا وتوفيق الدقن، وتدور أحداث القصة حول مخرج يبحث عن فتاة ذات وجه سينمائي جديد لتقوم ببطولة فيلمه بعد أن تخلت البطلة الأساسية عن العمل، لكنه يفشل في ذلك، فيذهب إلى الإسكندرية ليقابل بائعة، ويقرر تعليمها وتقديمها للأوساط الراقية على أنها واحدة من سيدات المجتمع الراقي، وبعد نجاح فيلمها تتمرد على المخرج، فيقوم بكشف حقيقتها للناس، وهنا تتركه وتعود إلى الإسكندرية مرة أخرى لتمارس عملها السابق.

وظهرت رجاء في الجزء الأول من فيلم «ثلاث نساء» عام 1968، تأليف إحسان عبدالقدوس وإخراج صلاح أبوسيف، وقامت بدور «سامية» أمام كوكبة من النجوم منهم صباح وشكري سرحان وأحمد رمزي وصلاح ذوالفقار وميرفت أمين وهدى سلطان وعبدالمنعم إبراهيم، ويحكي الفيلم ثلاث قصص، الأولى قصة «هناء» التي تحب «عادل» ولكنها تلتقي «سامي» لتقع أيضاً في حبه، والقصة الثانية عن الأرملة «توحيدة» التي تحب الموظف «يوسف» لكنه متزوج، والقصة الثالثة عن المطربة «شمس» التي يحبها «فتحي» ويتردد في الاقتران بها، وتصل القصص الثلاث إلى نهايات مفتوحة، وتترك للمشاهد الإجابة عن مصير النساء الثلاث.

واللافت أن الجداوي خلال مشوارها الفني الطويل، لم تقدم أدوار بطولة، ولكنها كانت بطلة بما قدمته من أدوار متنوعة، وبرعت في أداء شخصيات كوميدية وتراجيدية، فأحبها الجمهور عبر ظهورها على الشاشة في مراحل عمرية مختلفة، وأثبتت أن الدور ليس بحجمه ولكن بقيمته وتأثيره، وأن الفرق لديها هو بطل المشهد وليس البطل العام للعمل الفني، فهناك نجوم قدموا أدواراً صغيرة وكانوا أكثر أهمية من بطل العمل.

نوسة وريم

وكان أول ظهور تلفزيوني لنجمة الأناقة في عام 1964 من خلال المسلسل الكوميدي «الشنطة مع مين؟» تأليف بهجت قمر وإخراج يوسف مرزوق، وقامت رجاء الجداوي بتجسيد شخصيتها الحقيقية كعارضة أزياء أمام كوكبة من النجوم، منهم سهير البابلي وأبوبكر عزت وسيد زيان ووتوفيق الدقن والسيد راضي وزوز ماضي وبدر الدين جمجوم وإبراهيم سعفان وسهام فتحي وحسين عبدالغني.

وفي عام 1967 تعاونت مرة ثانية مع المخرج يوسف مرزوق، وشاركت في السهرة التلفزيونية «نوسة» للكاتبة وفية خيري، وبطولة صلاح ذوالفقار وزيزي البدراوي وعبدالمنعم إبراهيم وزوزو ماضي وشاهيناز وحسن السبكي وفادية عكاشة.

وكان «أيام معه» عام 1964 أول مسلسل إذاعي لـ«المانيكان»، وثاني لقاء مع «السندريلا» سعاد حسني، والمأخوذ عن قصة للأديبة كوليت خوري، وأخرجه محمد علوان، وشارك في بطولته أحمد مظهر وسمير صبري وعبدالرحمن أبوزهرة وسهام فتحي وعزيزة حلمي، ويحكي المسلسل قصة الفتاة «ريم» صاحبة موهبة تأليف الشعر، التي تجد نفسها واقعة في غرام الموسيقي «زياد» صاحب الشخصية المتحررة، على الرغم من خطبتها الصورية لأحد أقارب أمها، وتتوالى الأحداث.

ذكريات مع يسرا في كواليس الفن والحياة

ارتبطت الفنانة رجاء الجداوي بصداقات قوية مع عدد من زميلاتها في الوسط الفني، وكانت النجمة يسرا من أقرب صديقاتها على مدار سنوات طوال، وشاركت معها في العديد من الأفلام والمسلسلات منها «أوان الورد» و«شربات لوز» وتشابهت شخصياتهما إلى حد كبير، فكلاهما بارٌ بوالديه ولهما إسهامات كبيرة في العمل الخيري والاجتماعي، ويتميزان بالأناقة والرقي في التعامل، وإجادة اللغات الفرنسية والإنكليزية والإيطالية، والاهتمام بكافة تفاصيل العمل الفني، وتجسيد شخصيات مختلفة على الشاشة خلال مسيرتهما الفنية.

واعتادت الجداوي ويسرا إضفاء أجواء من البهجة وروح الأسرة أثناء تواجدهما في «البلاتوه»، وخلال فترة التصوير تقومان يومياً بالإفطار معاً وتجهيز الفول والبيض العيون بالسمن البلدي والإفطار مع العمّال والفنيين الموجودين في موقع التصوير بمنتهى الحب والتواضع، ولا يعرفان الكراهية والغرور، ما جعل فريق العمل يلتف حولهما، ويكن لهما مشاعر التقدير والمحبة.

وتوطدت صداقة النجمتين خلال سنوات طويلة، رغم أنهما من جيلين مختلفين، وتشابهت ظروف دخولهما مجال التمثيل إلى حد كبير، ويتمتعان بثقافة رفيعة، وتراكمت لديهما سنوات من النضج، وعلى الجانب الإنساني لديهما حضور مميز، ومواقف كثيرة تشي بالنقاء والصدق ومحبة الخير للآخرين، وكلاهما حافظ على نجوميته، وقام بتطوير نفسه، ولم بتشبثا بأدوار الفتاة الصغيرة، وظلت طاقتهما الفنية متوهجة، وتعادل القوة والحماس لدى الأجيال الجديدة.

وحين رحلت رجاء الجداوي تركت صدمة كبيرة لدى صديقتها يسرا، وكانت الأخيرة دائمة الاتصال بها بعد إصابتها بفيروس كورونا، ودخولها إحدى المستشفيات بمدينة الإسماعيلية، وبفقدها تملك الحزن يسرا، واستشعرت فراغاً هائلاً، وودعتها بكلمات مؤثرة تفيض بالألم لفراق أعز صديقاتها.

رحيل درامي لوالدها بعد مكالمة هاتفية

انتقلت الطفلة الصغيرة للعيش مع خالتها الفنانة تحية كاريوكا، وتغيرت حياتها تماماً، وبعد أن كانت تعيش في أسرة متوسطة انتقلت إلى الطبقة الأرستقراطية، وتعلمت في مدرسة داخلية لمدة طويلة، وانقطعت صلتها بأبيها «علي حسن الجداوي» سنوات طويلة.

وأتاحت المصادفة أن تحضر رجاء وفاة والدها «الحاج علي»، الذي انفصل عن والدتها منذ أن كانت بعمر ثلاث سنوات، ورغم أنها التقته مراراً في حياته، فإنها لم تشعر تجاهه بعاطفة الابنة تجاه الأب، لانشغاله الدائم في أعماله وإقامته في مدينة الإسماعيلية (شمال شرقي القاهرة)، حتى تلقت خبر وفاته عبر مكالمةٍ هاتفية غامضة أثناء تقديمها أحد العروض المسرحية.

وذهبت رجاء مع إخوتها في صباح اليوم التالي لتقديم واجب العزاء، وفوجئت أن والدها لا يزال على قيد الحياة، وتحوّل حزنها الشديد إلى فرحة طاغية، ويومها طلب المسامحة من أبنائه «رجاء وأشقائها» لما اعتبره خطأ بحق والدتهم (زوجته السابقة) واستبقاهم على الغداء الذي دعا إليه إخوتهم غير الأشقاء، وبعدها ذهب ليأخذ قيلولة، انتهت بصدمة وفاته في حضورهم بشكل درامي!

وفي ذلك اللقاء الأخير، شعرت رجاء أنها استعادت الأب الذي فقدته سنوات طويلة، وتملكها الحزن لرحيله بعد أن استشعرت عاطفة الأبوة الصادقة في رغبته للقاء أبنائه، واعترافه بتقصيره نحوهم، وحينها اكتشفت أنّ والدها «رجل هايل» على حد تعبيرها، لأن القدر أسعفه بطلب المسامحة من أولاده، وتصفية قلوبهم تجاهه في ساعات حياته الأخيرة.

أحمد الجمَّال