في الأسبوع الماضي، احتدمت مظاهر الحرب الأوكرانية التي بدأت تتفاقم في آخر سبع سنواتن ووفق مصادر كييف، حشدت روسيا 85 ألف جندي بالقرب من حدودها، وقد ناقشت موسكو احتمال شن حرب شاملة قد تكون «بداية نهاية أوكرانيا».

من الواضح أن روسيا تخوض حرباً سياسية ضد أوكرانيا مجدداً، إذ تحاول موسكو وقوى رجعية أخرى مثل الصين تحقيق أهدافها عبر خلق ظروف مبهمة تتراوح بين الحرب والسلم، ولهذا السبب، تعتبر روسيا تحركاتها تجاه أوكرانيا «دفاعية»، مع أن الكرملين هو الطرف المعتدي.

Ad

لكنّ الحرب السياسية ليست ظاهرة جديدة، فقد أطلقت القوى الاستبدادية تحركات هجومية على مر العقد الماضي وكانت على شكل اعتداءات إلكترونية في مدن مثل سالزبوري أو برلين، أو استُعمِلت أحياناً قوات غير نظامية (وحدة «الرجال الخضر الصغار» الروسية في شبه جزيرة القرم، و»المراكب البيضاء الصغيرة» الصينية في بحر الصين الجنوبي). تُعتبر هذه الأنواع من العمليات «الرمادية» جبهة جديدة لتهديد ديمقراطيات العالم، بما في ذلك بريطانيا.

لقد نسيت الحكومات البريطانية المتلاحقة أن النظام الدولي ليس واقعاً موضوعياً بل ترتيباً سياسياً شاركت لندن في صياغته ودعمه، وتحاول روسيا وقوى استبدادية أخرى تفكيك الأفكار والمفاهيم الكامنة وراء هذا النظام داخل مناطقها وعلى المستوى العالمي أيضاً لاستبدالها بأفكارها الخاصة.

خلال العقد الأخير على الأقل، اتخذ الكرملين مقاربة صدامية في علاقاته مع بريطانيا، فحاول التعامل معها بما يصبّ في مصلحة موسكو ويُضعِف مكانة لندن وعواصم أخرى في أوروبا والمنطقة العابرة للأطلسي.

في وقتٍ سابق من هذه السنة، اشتكى السفير الروسي في بريطانيا، أندريه كيلين، من «تصوير بلده كعدو» واعتبر أن هذه النزعة تشتق من ظاهرة «روسوفوبيا» (معاداة روسيا) غير المنطقية، كذلك، اتّهم وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، بريطانيا بازدواجية المعايير في سياستها الخارجية وأعلن أن لندن تنشر «أكاذيب ومعلومات مُضلّلة فاضحة»، وفي العام 2013، وصف متحدث باسم روسيا بريطانيا بـ»الجزيرة الصغيرة التي لا يتنبّه لها أحد».

يستهدف الكرملين بريطانيا لعدد من الأسباب، منها الدور المحوري الذي تؤديه بريطانيا دفاعاً عن أوروبا، لا سيما في المناطق التي تريد روسيا السيطرة عليها مثل البلطيق، ودور الوساطة الذي أدته بريطانيا لفرض عقوبات الاتحاد الأوروبي على روسيا منذ عام 2014، والجهود البريطانية لمحاسبة روسيا على مقتل ألكسندر ليتفينينكو في عام 2006. لطالما كانت ردود النخبة السياسية البريطانية على المناورات الروسية الواسعة مختلطة، فحين صدر الموقف الروسي حول عدم أهمية بريطانيا، ردّ ديفيد كاميرون عبر الدفاع عن بلده بكل وضوح، وفي عام 2018، استعمل غافين ويليامسون الذي كان وزير الدفاع حينها مصطلحات صارمة، فقال: «يجب أن تختفي روسيا وتلتزم الصمت»، وخلال مأدبة اللورد مايور في عام 2017، ألقت تيريزا ماي خطاباً مباشراً وصريحاً فحذرت قائلة: «لديّ رسالة بسيطة جداً لروسيا، فنحن نعرف ما تفعلونه ولن تنجحوا في خططكم».

إذا أرادت لندن أن تعوق خطط الكرملين، فيجب أن تغلق المؤسسات ووسائل الإعلام ذات التوجهات الاستبدادية، لكن يُفترض أن تتبنى بريطانيا موقفاً استباقياً أيضاً، فهل حللت الحكومة الخطابات الجيوسياسية الروسية؟ وما الذي يمنع بريطانيا من التصدي لروسيا عبر مواقف هجومية واستراتيجية من خلال اعتبار تلك الدولة «كليبتوقراطية»؟

تبقى المواقف الشفهية والخطط الاستراتيجية بالغة الأهمية تجاه أوكرانيا أو دور بريطانيا في العالم، إذ يجب أن يعترف القادة السياسيون البريطانيون بهذا الواقع، ويتجاوبوا مع التطورات بناءً عليه، ويتجنبوا الوقوع في فخ الأفكار والمفاهيم التي ينشرها الخصوم.

أندرو فوكسال وجيمس روجرز - ذا سبيكتاتور