شكلت الدراما التلفزيونية إحدى المحطات المهمة في مشوار مدبولي، وشارك في بطولة عدد كبير من المسلسلات، وقدّم مع المخرج محمد فاضل أشهر أدواره الدرامية، ومنها دور «بابا عبده» في المسلسل الشهير «أبنائي الأعزاء شكراً» (1979)، وشخصية «الحاج يونس» في مسلسل «الشارع الجديد» (1997)، وأسند إليه المخرج إسماعيل عبدالحافظ دور «عم يوسف» في مسلسل «العائلة» (1994)، مع محمود مرسي، وليلى علوي، وخيرية أحمد، وحمدي غيث، ومحمد رياض.

وارتدى النجم الكوميدي عبدالمنعم مدبولي قناع التراجيديا في مسلسل «لقاء السحاب» (2004)، تأليف الكاتب مهدي يوسف، وإخراج هاني لاشين، وشاركه البطولة ليلى طاهر، وكمال الشناوي، وعمر الحريري، ومديحة حمدي، وميرنا المهندس، وصبري عبدالمنعم، وقام مدبولي بدور «عم صابر»، الرجل الذي تقسو عليه الحياة، ويفقد الذاكرة، ويصبح بلا مأوى.

Ad

وكان آخر ظهور تلفزيوني للفنان عبدالمنعم مدبولي في مسلسل «الكلام المباح» عام 2005، قصة الكاتبة سناء البيسي، وإخراج إبراهيم الشقنقيري، وشاركه البطولة حسين الإمام، ودلال عبدالعزيز، والمنتصر بالله، وميمي جمال، وفي العام ذاته وافق على أداء دورٍ صغير في فيلم «أريد خُلعاً» مع الفنان أشرف عبدالباقي، والمخرج أحمد عواض، وجسّد شخصية الزوج المخلوع بعد زواج دام 47 عاماً.

وأثنى الجمهور على أدائه المتميز في «أريد خُلعاً»، وكان دوره يمثِّل الوجه الآخر لمأساة «السيدة العجوز»، التي جسَّدتها ببراعة الفنانة أمينة رزق في فيلم «أريد حلاً» (1975)، بطولة فاتن حمامة، ورشدي أباظة، وإخراج سعيد مرزوق.

وبعد مسيرة مسرحية دامت لأكثر من 60 عاماً، ودَّع مدبولي جمهوره في عام 2006 ببطولة «ريا وسكينة في مارينا» مع ماجد المصري، ونهلة سلامة، ومحمد أبوالحسن، والعمل تأليف سمير الطائر، وإخراج أحمد البدري، وتدور الأحداث في إطار كوميدي، ومحاكاة للقصة المعروفة تاريخياً للسفاحتين «ريا وسكينة»، ولكن العرض توقف لظروف إنتاجية، ولم يحقق نجاحاً مماثلاً لمسرحية «ريا وسكينة» (1982)، إخراج حسين كمال، وشارك في بطولتها مدبولي بدوره الشهير «حسب الله»، أمام شادية، وسهير البابلي، وأحمد بدير.

حاصد الجوائز

وقد نال مدبولي خلال مشواره الفني العديد من الجوائز وشهادات التكريم، كرد اعتبار لنجوم الكوميديا، وكان يشعر بالحزن لتهميشه وزملائه، ووضعهم في خانة أدنى من فناني التراجيديا، حتى منحه الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات شهادة تقدير خاصة في أكاديمية الفنون، وذلك عن دوره في مسلسل «أبنائي الأعزاء شكراً»، وفي أثناء التكريم، قال له الرئيس السادات: «يا بابا عبده أنا باسهر كي أشاهد مسلسلك وأطلب منهم أن يسجلوا الحلقة لو كنت مشغولاً».

وحصد «ساحر الارتجال» الكثير من الجوائز الأخرى، منها جائزة أحسن ممثل في السينما عن أفلامه «الحفيد» (1974)، و«مولد يا دنيا» 1976، و»أهلا يا كابتن» 1978، وفي عام 1983 حصل على وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى، وفي العام التالي مباشرة نال جائزة الدولة التقديرية عن مجمل أعماله، وحصل عام 1986 على جائزة تكريم في مهرجان زكي طليمات، وقام المهرجان القومي للمسرح المصري في يوليو 2006 بتكريم اسم الفنان الراحل عبدالمنعم مدبولي.

قصة حب

ترك مدبولي تساؤلات كثيرة بين زملائه وجمهوره، حول تعدد أنشطته الفنية، وقدرته على التوفيق بين حياته الخاصة وتألقه الإبداعي، وكان وراء ذلك زوجة عظيمة تقف خلفه، وتوفر له الاستقرار والسعادة، وعاشا معاً أكثر من نصف قرن في حب دائم، ومنذ أول يوم لزواجهما، تفرغت للبيت وتربية أبنائهما الثلاثة (أمل ومحمد وأحمد)، وعوضتهم غياب والدهم المتكرر بسبب العمل.

تزوج مدبولي من رفيقة العمر، بعد قصة حب جارفة، وكانت ابنة صاحب العمارة التي يقيم فيها، ومنذ المرة الأولى التي رآها، تبدلت حياته تماماً، وتملكته مشاعر لا يستطيع الفكاك منها، ووقتها كان يسهر الليل، ويستمع لأغاني أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب، وظل فترة طويلة يحلم بالتحدث إليها، وقرّر أن يتقدم للزواج منها، واكتشف لاحقاً أنها كانت تبادله نفس المشاعر.

وأظهرت رفيقة العمر قدراً كبيراً من التفهم لطبيعة عمل زوجها، وكانت بمنزلة الصديق والأم بالنسبة إليه، وتعيش معه لحظات الفرح بميلاد عمل فني جديد، وفي بعض الأحيان توجه نقداً لاذعاً، إذا رأت أن العمل ليس جيداً، وتحرص على مشاهدة مسرحياته، ويدور بينهما نقاش طويل، وكان مدبولي سعيداً بحماسها الشديد، ليقدم الأفضل دائماً، ولم يأتِ ذلك من فراغ، فزوجته خريجة كلية التربية الفنية وأستاذة رسم، ودرست فن السيناريو، وكانت ترغب في العمل كمذيعة، لكنها ضحت بأحلامها من أجل سعادة أسرتها.

وحين أصابها المرض، ساءت حالته النفسية كثيراً، وكان يشعر بالألم والخوف عليها والحزن بسبب مرضها الشديد لارتباطه وجدانياً بها، لأنه لم يكن يتمنى أن يراها بتلك الحالة، وكانت تحمل عنه كل المسؤوليات، وذراعه اليمنى، ولما مرضت وأصبحت قعيدة، كان يغلق عليه باب غرفته، حتى لا يراه أحد من أبنائه وهو يبكي بحرقة.

الأب الحنون

كان معظم فناني الجيل القديم، لا يرغبون في أن يعمل أبناؤهم بالفن، حتى لا يتعرضوا لمتاعب هذه المهنة الشاقة، ويواجهون الصعاب التي مروا بها، وحين رغب أحد أبناء مدبولي في الدخول إلى عالم التمثيل، نصحه بأنها مهنة مرهقة، واقتنع الابن بكلام والده، من دون أن يحمل في داخله أي مشاعر غاضبة منه، والتحق بكلية الهندسة، وتخرج فيها بتفوق، وصار مهندساً مرموقاً.

وكان مدبولي حنوناً على أبنائه، ويعوضهم عن فترة غيابه عن المنزل، وخلال تحضيره لعمل فني، كان يغلق باب غرفته من أجل زيادة التركيز، وبدورهم يتجنبون التعامل معه حتى لا يخرج عن تركيزه، بينما كان يكافئهم باصطحابهم معه إلى المسرح، وتعلموا منه الكثير من الأشياء المهمة في حياتهم، ومنها احترام المواعيد، والالتزام في العمل.

امتزجت شخصية مدبولي بكل الشخصيات التي جسدها على الشاشة، واعتاد أن ينصت جيداً لأبنائه، ويشعرهم أنهم أصحاب القرار، وأن يتحملوا المسؤولية، ويعتمدوا على أنفسهم، ومن المواقف التي لا تنساها ابنته «أمل»، أنها عندما بلغت 18 سنة طلبت منه سيارة، فأجابها بطريقة كوميدية، واصطحبها إلى مكان لا تعرفه، وقال لها: «هذه ورشة إصلاح السيارة إذا احتجت إليها»، وفي طريق عودتهما، أشار ناحية مبنى، وقال لها: «هذا قسم البوليس الذي سأدخله لو ارتكبت مخالفة».

كما كان مدبولي تلقائياً بسيطاً في تعاملاته مع الجمهور في الشارع، وكان يسعده أن يناديه المارة بـ»بابا عبده»، أو «جدو عبده»، وذات مرة تناول طعام الإفطار في شهر رمضان مع عمال محطة وقود في القاهرة، عندما ضرب مدفع الإفطار وهو بالشارع يمون سيارته بالبنزين، فجلس معهم على الأرض وشاركهم الطعام والتقطت له صورة طريفة تسجل هذه الذكرى.

قاهر السرطان

بدأت قصة عبدالمنعم مدبولي مع المرض في منتصف الثمانينيات، وأثناء عرضه إحدى حفلات مسرحية «ريا وسكينة»، وليلتها سقط على المسرح، وتبين أنه يعاني السرطان في الكبد، فسافر إلى باريس وأجريت له عملية جراحية وتم شفاؤه نهائياً، وعاد مرة أخرى ليقدم فوازير «جدو عبده» وبعد عامين من تقديمها، أصابه مرض في المرارة وتم علاجه وشَفِيَ منه تماماً.

وذكرت ابنته أمل أنه لصعوبة الحالة وغرابة نجاح والدها في تجاوز الأزمة من وجهة نظر العلم، جرى تدريسها للأطباء في المستشفى بباريس، بعد أن أطلقوا عليها «حالة مدبولي»، لما تحمله من إصرار وقوة في مواجهة المرض وتحدّيه والانتصار عليه، وبعدها عاش النجم الكبير 25 عاماً بصحة جيدة.

وفي عام 2006 وقبل وفاته بأشهر قليلة، أصيب بالسرطان مرة أخرى، ولكن في الطحال، فسافر مجدداً إلى فرنسا، لكن الأطباء هناك أخبروه أن حالته الصحية وكبر سنه سيمنعان إجراء أي عملية له، فعاد إلى مصر، وتعامل مع مرضه بالحقن والأدوية، إلا أن حالته تدهورت كثيراً، وأصيب بمرض السكري بسبب الأدوية التي يتناولها، وبدأ يقل تركيزه وأصبح لسانه ثقيلاً في الكلام، حتى أن أبناءه لا يستطيعون فهم ما يقوله.

وفي أواخر أيامه أصيب مدبولي بالتهاب رئوي أدى إلى نقله إلى العناية المركزة في أحد المستشفيات، وتوفي بعدها بأسابيع قليلة في التاسع من يوليو عام 2006 عن عمر تجاوز 85 عاماً، ورحل فارس الكوميديا على فراش المرض، من دون أن تتحقق أمنيته في الرحيل فوق خشبة المسرح.

أسرار المكالمة الأخيرة مع فؤاد المهندس

ارتبط النجمان الراحلان عبدالمنعم مدبولي وفؤاد المهندس، بصداقة دامت أكثر من 50 عاماً، وشكلا ثنائياً فريداً في المسرح الكوميدي، ولم تظهر على السطح أي خلافات بينهما، وطاولتهما الشائعات قبل رحيلهما بأعوام قليلة، حول خصامهما عقب اعتذار المهندس عن عدم تقديم فوازير رمضان، وإسنادها إلى مدبولي.

والتزم النجمان الكبيران الصمت حيال تلك الشائعات، حتى كشفت ابنة مدبولي (أمل) حقيقة هذا الخلاف بعد رحيلهما، وأن فؤاد المهندس على مدى سنوات عديدة، قدم فوازير «عمو فؤاد» في رمضان، وكان ينتجها التلفزيون المصري، حتى اختلف مع المخرج، وطلب مخرجاً آخر، فرفض المسؤولون طلبه.

واعتذر المهندس عن عدم مواصلة تقديم الفوازير، فعرضوا على مدبولي تقديم برنامج وفوازير للأطفال في رمضان بعنوان «جدو عبده»، فأخبرهم أنه لن يوافق إلا بعد الاتصال بزميله، ويعرف سبب الاعتذار. وكانت هذه الأخلاق السائدة بين الفنانين وقتذاك، فأخبره فؤاد أنه معتذرٌ، ولن يعمل في الفوازير مرة أخرى، فوافق مدبولي على تقديم «جدو عبده»، ولاقى العمل نجاحاً كبيراً.

وعن علاقتهما في أيامهما الأخيرة، ذكرت أمل مدبولي: «اتصل فؤاد المهندس على تليفوني ليطمئن على والدي، وهو في العناية المركزة، فأعطيته لأبي وخرجت من الغرفة، وقام الطبيب المعالج بوضع التليفون على أذن أبي، ولم يفهم فؤاد المهندس كلام أبي، وشعر بأنه في أيامه الأخيرة وأخبرتني زوجة ابنه محمد، بأنه بكى، وحزن كثيراً على أبي، ولحق به فؤاد المهندس بعـــــد شهـــور قليلــــة، وكأنهمـــا لا يستطيعان أن يفترقا».

لقاء نادر مع الأديب العالمي نجيب محفوظ

نشر الفنان خالد النبوي على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، صورة نادرة تجمعه بالأديب العالمي نجيب محفوظ، ونجم الكوميديا عبدالمنعم مدبولي، وكشف عن مناسبة التقاطها، قائلاً: «في منزل الأديب الكبير، كان ذلك وقت عرض مسرحية (الجنزير)، يوم عظيم»، وجاء ذلك اللقاء عقب نجاة أديب «نوبل» من محاولة اغتياله عام 1995.

وتدور مسرحية «الجنزير» للكاتب محمد سلماوي، حول شاب إرهابي، يقوم باختطاف أحد الأسر ويحتجزها كرهينة، وخلال مدة الاحتجاز يرتبط الشاب بالأسرة، فيتغير فكره المتطرف، ويرفض في النهاية أوامر قائد الجماعة بقتل الأسرة.

وقام مدبولي ببطولة النسخة الأولى من المسرحية، وشاركه مجموعة من النجوم، منهم خالد النبوي، وماجدة الخطيب، ووائل نور، وقام بإخراجها جلال الدين الشرقاوي. وأخرجها للتلفزيون المخرج محمد الشال، وحققت نجاحاً كبيراً على خشبة المسرح القومي خلال عامي 1994 و1995.

أحمد الجمَّال