• مدينة حلب تشهد ولادة صاحب الحنجرة الذهبية ونجم الموال

• صهره كان «يقرصه» وهو رضيع ليسمع صوت بكائه العذب المميز

Ad

ولد صباح الدين أبو قوس المعروف

بـ «صباح فخري» في مدينة حلب الشهباء السورية المشهورة بأصوات فنانيها الرائعة والمميزة، وبالأغاني التراثية الأصيلة، لدرجة أنك مباشرة عندما تستذكر حلب تخطر على بالك مباشرة عبارة «حلب أم الطرب»، وكان يقال أيضا «كل المدن ترى إلا حلب ترى وتسمع»، ومن أشهر مطربيها، إلى جانب صباح فخري: صبري المدلل، وأديب الدايخ، ومحمد خيري، وحسن الحفار، ومصطفى ماهر، وغيرهم ممن سنذكرهم في سياق التفاصيل، ونحن نقدم لقارئنا الكريم سيرة صاحب الصوت الفاخر صباح فخري.

يعرف موسيقيّو حلب بأنهم لا يقبلون أن تُعتبر موسيقاهم «ناقصةً» لأي تفصيل أو مقام، وهم يتميزون بغزارة الإنتاج، وسرعة التلحين، ويتميز أهل المدينة بدقّة السمع، ولهم طريقة رواج محددة تتعلق بسمعة مطرب وافد إلى تلك المدينة، ومنها القصة المشهورة عن زيارة الموسيقار محمد عبدالوهاب لأول مرة بين العامين 1927 و1930، ففي أول حفلةٍ له في المدينة أتى لحضوره عدد قليل جداً، فأراد إلغاء الحفلة، إلى أن أخبره أحد الحلبيّين القائمين على الحفلة أن الجمهور الحاضر هو «لجنة سمّيعة حلب» الذين يحْضرون أولى حفلات المطربين الوافدين إلى مدينتهم؛ فإن نجح في إطرابهم نظّموا له حفلةً ثانيةً حاشدةً وكسب شهرةً بين أهلها... وهذا ما حصل مع عبدالوهّاب. وفي حلب أيضاً عندما يردد البعض اسم مطرب أو فنان ما، فإنه سرعان ما يذكر الحلبيون اسم معلمه، ومعلم معلمه، وأصحاب هذا المعلم أو ذاك من مشايخ وفنانين. ثم يذكرون المحيط الموسيقي الذي تربى فيه، والزاوية الصوفية التي تردد إليها، ثم الفِرَق التي انضم إليها وتدرب معها. أضف إلى ذلك أن حفلاتهم تستمر من العشاء إلى الفجر.

كانت ولادة الفنان في الثاني من شهر مايو عام 1933، وصباح هو الاسم الذي أطلقته أمه عليه عندما ولدته في الصباح، رغم رغبتها آنذاك في إنجاب أنثى.

ولد صباح فخري في حلب، وتحكمت ولادته باسمه، لأنه ولد صباحاً فأطلقوا عليه الاسم، ووالدته من قرر التسمية، وكان والده شيخا، وفي وقت ولادته كان المولد قائما وقتها في منزله، والذكر قائما في المنزل أيضاً، وقد انتظر المشايخ معه، والرجال الذين كانوا يرددون الذكر، حتى الفجر وطلوع الصباح عندما بشروه (ابنة الشيخ محمد هي التي بشرته) بقدوم الصبي، وعند قدومه لغرفة زوجته استقبلته الداية بولد موفور الصحة، وقد أتقنت لفه بإحكام وقالت له: يربى بدلالك يا شيخي، اللهم صلِّ عالنبي، متل القمر. فحمل الشيخ محمد ابنه متباهياً، ورفعه إلى فمه، ليهمس في أذنه بالأذان وبشهادة لا إله إلا الله محمد رسول الله، وبابتسامته المعهودة أطل على زوجته مباركا مهنئا: مبارك ما إجاكي، صبي والحمد لله.

نسيت السيدة عليا آلام المخاض والولادة، وارتسمت على وجهها ابتسامة هادئة طغت على كل تعبير للألم، وهي تقول: يربى بدلالك حجي، سنسميه صباح. فرد قائلا، بعد أن هز برأسه: وليكن صباح الدين، أكرمنا الله به، وذكره سبحانه ورسوله ملء الدار، وتختلط هنا التسابيح والزغاريد بفرحة كبيرة، ولم يكن في الحسبان أن هذا المولود سيدخل الفرحة إلى قلوب الملايين، ويطرب كل من سمعه في أنحاء المعمورة على طول الزمن.

والشيخ محمد والد صباح قارئ ومدرّس للقرآن الكريم ومنشد صوفي، تزوج أربع نساء، الزوجة الأولى أنجبت له ولدين وبنتاً، وتوفيت، ثم تزوّج من والدة الفنان صباح فخري التي أنجبت أربعة شبان وبنتاً، كان صباح أصغرهم، ثم تزوج الزوجة الثالثة وأنجب منها ابناً، أما الزوجة الرابعة فلم ينجب منها أولاداً.

وأما قصة اكتشاف جمال صوته، ومن أول من اكتشف ذلك لأول مرة، فيقول فخري إن زوج أخته كان يقوم بقرصه لكي يبكي، وكانت والدته تلوم صهره على هذه العملة، التي يقوم بها، متسببا في بكاء الطفل!

وعن الحادثة يقول صباح فخري، بكل عفويته وضحكته في لقاء له على إحدى القنوات المصرية، في الثامن عشر من شهر نوفمبر عام 2014: صهري كان يزورنا عندما كنت أنا رضيع، وكان يتسلل إلى الغرفة التي أنام فيها و"يقرصني"، وكنت أطلق عقيرتي بالبكاء، وكان يعيدها في كل مرة يزورنا فيها... الأمر الذي أدخل الشك في ذهن والدتي، فقررت مراقبته، وفعلا قبضت عليه متلبّساً، وسألته عن السبب، فكان رد الصهر: سوف أحكي لك السبب، وأعتقد بأنك لن تصدقي كلامي، وتابع: أقسم بالله، إن هذا الطفل يمتلك صوتا مميزاً، وأحب صوت بكائه وصراخه جداً.

تلاوة القرآن

تعلم صباح فخري في مدرسة والده الشيخ محمد، كالكتّاب، وهناك تعلم القرآن وهو صغير السن، وظل مع والده حتى ختَم القرآن الكريم. وفي ذلك اليوم، ودّع الشيخ تلاميذه، ثم أمسك بيد صغيره، مع ابتسامة حاول إخفاءها ارتسمت على وجهه، وانطلق عائدا إلى منزله وهو يرمي السلام على أهل الحي، وداخل الدار منادياً زوجته، بأعلى صوته: "أم عبدو" تعالي يا أم عبدو، فهرعت عليا ملهوفة لترى ماذا يريد منها الشيخ محمد، قائلة: خير يا حجي، خير شو في؟ فرد عليها الشيخ محمد: باركي لابنك صباح، فقد ختم القرآن. قالها بتباهٍ واعتزاز واضحين، بينما لم تسع الفرحة عليا، التي ركضت لترفع الصغير صباح بين ذراعيها وتضمه إلى صدرها، حتى تكاد الدموع تفر من عينيها فرحة وغبطة: "ختمت القرآن يا صبوحي؟ الله يرضى عليك ويفرحني فيك".

كما أن الشيخ محمد نجيب والد صباح اعتاد اصطحابه إلى جامع الأطروشي، حيث تقام حلقات الذكر والإنشاد، والجامع الذي اختار الشيخ فيه ركنا ليدرس تلاوة القرآن وحفظه والتجويد والخط العربي والحساب.

وهنا يكمن السر في أن صباح يجيد اللفظ واللغة والكلمة، فقد ختم القرآن وهو في الخامسة من عمره، فكانت هذه أولى مراحل النبوغ منذ الصغر، ونلاحظ هنا أن شيوخ الطرب في حلب، في معظمهم، هم من هذا الجانب الديني، وإن كل الموسيقى التي نسمعها نشأت من مدرستين إذا صح القول؛ من الكنائس ومن الجوامع، من إنشاد القرآن ومن تراتيل الكنائس، فالموسيقى نشأت قبل الأديان، وخاصة في حلب، والأمر يحتاج إلى دراسة مفصلة وبحث لنعلم من أين استمددنا التراث الفني والموسيقي ما قبل الأديان.

يتحدث صباح فخري عن فائدة تعلمه تجويد وتلاوة القرآن في تمكين صوته ولغته، قائلا: عندما يريد أحد ما أن يقرأ القرآن، وفي علم التجويد: «ورتل القرآن ترتيلا»؛ فإنه يعطي الحروف أماكنها والمد مكانه أيضاً، ويعطي كذلك أحكام التجويد حقها من إدغام وغنة، وأنا أيضاً وبصوتي أعطي أيضا هذه الأشياء وبشكل عفوي، من خلال علم عميق في الجمل الموسيقية والمقامات، وفي صوتي إيقاع، فالقصة إذاً ليست قصة جمال فقط، قصة الإيقاع.

ويتابع صباح: لم أسجل القرآن الكريم، ربما في المستقبل قد أسجل، وحتى نكون واضحين ونحكي ما لنا وما علينا، طبعاً القرآن أو تلاوة القرآن هو اختصاص وعلم، وعندي أنا علم التجويد والمقامات أيضاً عندي، ولكن كتلاوة لها أيضاً أسلوب، وأنا لم أرغب في ذلك حتى لا أتعرض للهجوم، ويقولوا: إنه يقرأ القرآن بأسلوب غنائي، هذا من ناحية أولى، ومن الناحية الثانية أنا مهما برعت في التلاوة هناك من هم أكبر مني في ذلك، وسأعطيكم مثالا عن ذلك، قالوا لي مرة: لماذا لا أمثل؟ فكان ردي: ولماذا أمثل فأنا في الغناء سيد موقفي، أما عندما أمثل فهناك نجوم أكبر مني، لماذا سأضع نفسي في موقف يجعلني صغيراً. وبالعودة إلى تلاوة القرآن، هناك من هم مرجع وجهابذة في ذلك، لن أصير بمستواهم، لكنني للتبرك وللأجر والثواب سوف أسجل بعض قصار السور في المستقبل، علما أن هناك عملاً أعتز وأفتخر به، وأرجو من الله أن يتقبله مني وهو تسجيل أسماء الله الحسنى، وأنصح كل مسلم وكل مسلمة وكل مستمع وكل مستمعة من كافة الأديان أن يسمع ما سجلته عن أسماء الله الحسنى، فهي لا تتضمن سوى ابتهالات إلى الله، ونحن بالتأكيد جميعا نؤمن بالله، بغض النظر عن الأنبياء، فهم أصحاب رسالة واحدة ونحن جميعا نعرف ذلك، ولا يوجد أحد لا يقول يوميا: يا رب.

وفي حوار مع الإعلامية هيام حموي قال صباح فخري عن تلاوة القرآن: عندما يقرأ أحدهم القرآن ويعرف علم التجويد «ورتل القرآن ترتيلا» فإنه يعطي الحروف مكانها ويعطي المد مكانه ويعطي الإدغام والغنة، وأنا أعطي كل هذه الأشياء بصوتي... وجاء كل ذلك من خلال الدراسة، إضافة إلى معرفتي الكبيرة بعلوم التجويد. نعم، ولا شك في ذلك إطلاقا، وهناك أشياء كثيرة صنعت صباح فخري أولها القرآن الكريم، وثانيا حلقات الأذكار والمدائح الدينية، ثم تعلمت على يد كبار الأساتذة في فترة الصغر، فتربيت أولا تربية روحية، ثم تربيت بعدها تربية مادية أكاديمية في المعهد الموسيقي.

وأضاف: الفنان الذي يتخرج حاليا من المعاهد الموسيقية يكون بارعاً جدا، لكننا لا نستطيع أن نقول له: آه. هو بارع بالفعل، ويلعب بالآلة بكل سلاسة وسهولة، وبإمكاننا أن نسمي أي اسم حاليا من الأسماء الموجودة، وفعلا لا نستطيع أن نقول له: آه، لأنه لم يتربَّ تربية روحية بالأساس، وغير المربى تربية روحانية لن يستطيع إدخال الأشياء إلى دواخلنا، فنحن كيف نتعامل مع الأشياء الروحانية؟ الآن يتعاملون مع الأشياء كالكمبيوتر، مثل العوّاد إذا أعطيته جملة موسيقية يستطيع من خلال الكمبيوتر أن يعزف أي لحن تريده، أما أنا فقد تربيت تربية روحانية من خلال حلقات الأذكار والدراسة الأكاديمية في المعهد، فدخلت من الأبواب؛ «وأتوا البيوت من أبوابها”.

أول موال

تعتبر السيدة المسماة «خانوم» أول من علّمه الغناء. يقول صباح فخري: كنا نسكن منزلاً دمشقياً كبيراً، يتسع لست عائلات، يتوسّطه صحن وأشجار ليمون، وكانت النسوة يجتمعن مساءً للمزاح والتحادث، وكنت أتسلق شجرة وأدندن بنغمات، فانتبهت إلي سيدة تمتلك صوتاً جميلاً، واقترحت أن تعلمني المواويل، وفعلاً شدتني هذه السيدة وأصبحت أجالسها، وعلّمتني أول موال في حياتي: «غرّد يا بلبل وسلّي الناس بتغريدك، الله يتمّم عليك الجمال يا حلو ويزيدك»، ثم تتالت الجلسات مع النسوة، وعلمنني ما تيسّر من المواويل.

ولمن لا يعرف الموال فهو صنف من صنوف الشعر العربي، وقالب من القوالب الغنائية التقليدية، كما أنه الباب الأوسع للارتجال كلاماً ولحناً، وهو مؤلف من أبيات شعرية باللهجة المحكيّة، يختلف عدد أشطرها من مدينة إلى أخرى. في حلب، يُشتهر الموال السبعاويّ (ذو الأشطر السبعة)، فيكون لحنُه مرتجلًا بالكامل من طرف المغنّي، وترافقه الفرقة عزفًا على جمله. وقد يغير المغني كلمات الموال خلال الحفلة. وعادة يبدأ الموال بعبارة «يا ليل يا عين»، لتحضير الجو الترابطي مع المستمع والانسجام مع الطابع المقامي.

مدرسة حلب الأصيلة

إن إحدى أبرز ركائز انتقال التراث الموسيقي الحلبي والحفاظ عليه هي التعلُّم بين الأستاذ والتلميذ، فعندما يقضي الطالب وقتا طويلا مع أستاذه ينقل عنه شفهيا ما ينبغي، فيحفظ الوصلات ويتدرب عليها. أما أخبار مشايخ ومنشدي وشعراء وموسيقيّي حلب فتقع على عاتق الأستاذ الذي يتعلم الفن ممارسة أيضا متتلمذا عند معلمين حلبيين، مما يجعل الفنان الحلبي يظهر كمؤتمن على إرث مدينته الفني، ينقله معه بشكل شفهي أينما حلّ. والمعروف عن الفنانين الحلبيين أنهم «يُحَلبنون» السهرات والأمسياتِ التي يتواجدون فيها، فتتحول إلى جلسات سردِ قصصٍ وسوالفَ عن مدرسة ثقافية مشرقية أصيلة اسمُها: حلب.