لما كانت العلاقات الكويتية – الأميركية واحدة من العلاقات الدولية المميزة على مستوى العالم، أقدمت أستاذة التاريخ في جامعة الكويت د. نور الحبشي على التصدي لهذه المهمة، وطرقت باباً لم ينل حقه من البحث والدراسة.

كتاب العلاقات الكويتية - الأميركية 1868- 1991 الذي أصدرته الحبشي يتناول العلاقة بنواحيها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، منذ نشأتها، ومع البدايات الأولى للوجود الأميركي في منطقة الخليج العربي، مروراً بقدوم أول رحالة أميركي (لوشر) إلى الكويت عام 1868، وصولاً إلى سنة التحرير عام 1991 وعودة الشرعية إلى أصحابها.

Ad

تكتسب العلاقات المشتركة خصوصيتها، وهو ما تشير إليه المؤلفة بكونه سبب تفردها وتميزها، رغم أن الأهداف والمصالح الذاتية لكل دولة كانت حاضرة وبقوة، والاختلاف يعود إلى أن الكويت قانونياً تحت الحماية البريطانية، وهذا ما تطلَّب من الأميركيين طريقة أخرى من الحضور على الساحة الخليجية بعيدة عن المعاهدات التي كانت بريطانيا تعمل وفقها.

الكتاب يؤكد أهمية الكويت، من خلال الصراع والمنافسة عليها، وأن الإنكليز كانوا يدركون تلك المكانة الجيواستراتيجية والعمق الذي تشكله.

احتوى الكتاب على ستة فصول مع تمهيد ومقدمة وخاتمة وعدد من الملاحق، وقائمة بالمصادر والمراجع، وقد صدر حديثاً عن دار ذات السلاسل للنشر والطباعة.

الجذور التاريخية للعلاقات السياسية معروضة بالفصل التمهيدي، ثم الصراع البريطاني- الأميركي على نفط الكويت، والتطورات التي طرأت عليه في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وما صاحبها من أحداث.

وفي بقية الفصول، خصَّصت الكاتبة لكل عقد من العقود مبحثاً خاصاً، كما في الفصل الخامس (1980 – 1989) فترة الثمانينيات والعلاقات في عهد الرئيس رونالد ريغن، حيث تفرَّد الأستاذ محمد جاسم الصقر، بصفته رئيس تحرير «القبس» حينئذٍ، بلقاء معه، شرح فيه رؤية الإدارة الأميركية للحرب العراقية – الإيرانية، وأزمة أفغانستان، والإطلالة على أمن الخليج العربي.

اختارت «الجريدة» بعض الفصول الواردة في الكتاب، لعرضها وإلقاء الضوء على مسار تلك العلاقات مع دولة عظمى، كان لها الدور الكبير والفاعل في المنطقة والعالم.

أعطى الكتاب صورة حقيقية عن نموذج من العلاقات الدولية الفريدة من نوعها، بين الولايات المتحدة و بلد صغير الحجم، لكنه كبير وناجح في فن سياسة التوازن والدبلوماسية.

تقودنا دراسة قضية النفط في الكويت إلى الحديث عن الصراع البريطاني - الأميركي عليه، الذي لم تتأخر فيه أي من الدولتين في استخدام جميع السبل لعرقلة الطرف الآخر، وإبعاده عن المنافسة في سبيل الحصول على الأرباح، والفوز بها، وأقصد هنا الإنكليز كما سنرى في هذا الفصل.

استمر الصراع سنوات منتقلاً بين مناطق متعددة في الخليج، لكن حالة الكويت كانت مختلفة وفريدة من نوعها؛ بسبب خصوصية المراحل الذي امتد من خلالها ذلك الصراع الإنكليزي - الأميركي الطويل، الذي أكّد من خلاله الساسة البريطانيون - في الحكومات المتعاقبة جميعها على الحكم في 10 داوننغ ستريت (10 Downing Street)- سعيهم إلى التأكيد على مفهوم واحد وهو السيطرة الإنكليزية على الخليج العربي ومقدراته.

لكنّ الأميركيين لم يكونوا خصماً سهلاً في هذه المنافسة، بل سعوا بكل جهدهم عن طريق شركاتهم للحصول على امتيازات في الكويت؛ إذ كانوا صبورين، وذوي سخاء مادي، وانتظروا سنوات عديدة، بينما مارس من خلالها الإنكليز المماطلة والمراوغة في سبيل تغيير وجهة النظر الأميركية، أو حتى إبعادهم عن المنافسة، لكن الأميركيين كانوا يدركون أهمية النفط؛ لذا كان للولايات المتحدة إمكانيات فائقة في مجال البحث والتنقيب، بما أنها دولة نفطية من أجل المحافظة على مخزونها النفطي، وبدأت من خلال ذلك سلسلة الامتيازات النفطية في المنطقة بحصولها على امتياز نفط البحرين في 21 ديسمبر 1928م، ثم أتبعته بالحصول على امتياز نفط المنطقة الشرقية بالسعودية في 29 مايو 1933م، وإنّ انفراد الشركات النفطية الأميركية بامتياز التنقيب عن النفط في الأراضي السعودية جاء برغبة من الملك عبدالعزيز آل سعود، وهي رؤية تحسب للملك السعودي، ولعل ذلك جعل الأميركيين يبدون رغبة حقيقية تجاه الكويت والتنقيب عن النفط داخل أراضيها، لكن الإنكليز شعروا بالتهديد والخطر، ولعل ما حصل لهم مع الملك عبدالعزيز آل سعود جعلهم حذرين جداً في التعامل مع الامتياز المأمول عقده على نفط الكويت، ويبدو كذلك أن الأميركيين كانوا يقظين أيضاً، وفهموا المعادلة التي يريد الإنكليز تطبيقها في الكويت، وهي استحالة وجود طرف آخر إلى جانب الشركات الإنكليزية؛ لذا كان الصراع مريراً وطويلاً وذا محطات، ومراحل اقترب في لحظات إلى التصادم بين بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية.

كانت الولايات المتحدة الأميركية تعي طبيعة العلاقة التي تربط بريطانيا مع الكويت؛ لذا كان تعاملها مع بريطانيا وشيخ الكويت بطريقة المثلث في إمكانية الحصول على عقود الامتيازات النفطية في الكويت، وكان المثلث الذي يربط بين الثلاثة يتحدد بوضع بريطانيا في القمة، والقاعدة بين واشنطن وشيخ الكويت، وكانت هي طريقة واشنطن في التنسيق مع حكومة لندن في كل ما يتعلق بالنفط، والحقيقة لم يشغل نفط الخليج بشكل عام بال الساسة الأميركيين في النصف الثاني من القرن العشرين، أو عقب الحرب العالمية الثانية فقط كما يعتقد الكثيرون، ولكن الحقيقة تقول: «إن مسألة الحصول على أكبر قدر من نفط الخليج وبأرخص الأسعار، وأضمن الطرق قد شغلت بال الأميركيين منذ أوائل القرن الماضي، مع أولى بوادر هذا الكنز في أراضي الخليج، ومع نهاية أحداث الحرب العالمية الأولى إذ لم توضح المصادر أية اتفاقات نفطية حصلت عليها الولايات المتحدة الأميركية من دول الخليج قبل هذه الحرب».

وعبر كثير من القادة والساسة الأميركيين عن الأهمية المتزايدة لنفط الخليج العربي مراراً وتكراراً، فقد صرح مستشار الأمن القومي الأميركي السابق زبيغنيو بريجنسكي Zbigniew Brzezinski قائلاً: «إن منطقة الخليج بما تملكه من ثروات نفطية حيوية لبقاء الغرب تقع في صلب اهتمامات الأمن القومي للولايات المتحدة الأميركية والعالم العربي ككل».

المصالح النفطية البريطانية

تمثل رسالة مدير شركة النفط الأنجلو فارسية Anglo -Persian Oil Company إلى كيرزون Curzon المقيم السياسي البريطاني في الخليج العربي في نوفمبر من عام 1911م بداية اهتمام البريطانيين بالنفط في الكويت، حيث ذكرت مساعي أحد موظفي الشركة السابقين لإقناع شركة «شل» الهولندية للنفط بضرورة الحصول على امتياز التنقيب عن نفط الكويت؛ لذا حرصت بريطانيا على إبرام عدد من الاتفاقيات اللاحقة لاتفاقية الحماية الموقعة مع الشيخ مبارك الصباح عام 1899 م كان أبرزها الاتفاقية النفطية عام 1913م، التي التزم بموجبها الشيخ بعدم منحه أي امتياز نفطي في بلاده لأي شخص كان عدا الذي تعينه الحكومة البريطانية، تزامناً مع المناقشات المثارة في مجلس العموم البريطاني التي أكدت حاجة بريطانيا الشديدة للنفط.

وأتت الحرب العالمية الأولى (1918- 1914) لتعطينا تقييماً جديداً عن النفط وحظوته، وكيف جعل منطقة الخليج العربي ذات أهمية استراتيجية، وكيف أن المرحلة النفطية انطلقت حتى قبل الحرب العالمية الأولى؛ إذ تحولت مناطق الاكتشافات النفطية من الولايات المتحدة وروسيا إلى شمال الخليج العربي، والعامل الآخر تحول البحرية البريطانية من الفحم إلى النفط منذ عام 1910م، وكان هذا التحول من أهم العوامل التي أثّرت في الصراع في شمال الخليج العربي؛ لأنه كان لابد من الدفاع عن وقود الأمة العربية في تلك المنطقة.

لكن نشوب الحرب العالمية الأولى كان سبباً في توقف نشاط التنقيب عن النفط عدة أعوام، وما لبث أن استؤنف مطلع عام 1917م، حيث أجرى الوكيل السياسي البريطاني في الكويت اتصالاته مع الشيخ سالم المبارك تمهيداً لوصول مهندس شركة نفط الأنجلو فارسية من عبادان في إيران لمواصلة الكشف عن النفط في منطقتي برقان وكاظمة، وقد بينت عمليات البحث وأكدت على وجود نفط في الكويت.

والجدير بالذكر أن شركة النفط الأنجلو فارسية هي أولى الشركات التي أبدت اهتماماً واضحاً بنفط الكويت منذ سنة 1917م، إذ واصلت الشركة نشاطها وأوفدت في 17 مايو 1917م أحد مهندسيها المستر «هلس Hels» لإجراء الكشف عن مناطق أخرى، وسهّل الشيخ سالم المبارك هذه المهمة كعادته تلبية لرغبة الوكيل السياسي البريطاني في الكويت، وقد انتبه مسؤولو شركة النفط الأنجلو فارسية للتقارير المشجعة التي تؤكد وجود النفط في الكويت؛ لذلك تقدموا بطلب في أكتوبر من عام 1917م إلى كيرزون المقيم السياسي البريطاني في الخليج العربي للسماح لهم بالتفاوض مع الشيخ للحصول على امتياز نفطي في بلاده، لكن المقيم السياسي نصحهم بتأجيل هذه الخطوة بسبب ظروف الحرب السائدة آنذاك.

وتأكيداً على اهتمامها وحرصها أرسلت الحكومة البريطانية في الثالث من ديسمبر عام 1917م ممثلها المهندس «دايلي Daily» للتأكد من دراسة المناطق النفطية دراسة كافية، وبالفعل فقد قام دايلي برفع تقرير رسمي إلى حكومته أكد فيه وجود النفط في الكويت، بعد مهمة استغرقت شهرين؛ لذلك قدّمت شركة النفط الأنجلو فارسية في مايو من عام 1918م طلباً للخارجية البريطانية للحصول على امتياز المناطق النفطية في الكويت، ولم تحسم الوزارة الأمر بسرعة، مما دعا الشركة إلى تذكير الوزارة بطلبها بعد مرور ثلاث سنوات.

وقد ذكر اللورد كيرزن وهو أحد الساسة البريطانيين المتمرسين في منطقة الخليج الدور الذي لعبته هذه المنطقة ونفطها في تغيير مسار الحرب بعد اعتماد الدول المتحاربة عليه كمصدر للطاقة ومحرك رئيسي للآليات البرية والبحرية والجوية وذلك في خلال اجتماع للدول المتحالفة في 21 نوفمبر 1918 م قائلاً: «كان الزيت حتى قبل الحرب يعتبر من أهم الصناعات والموارد القومية، لكن بابتداء الحرب أصبح الزيت ومستخرجاته من أهم العوامل الرئيسية التي يعتمد عليها لمواصلة الحرب وكسبها، وإلا فكيف كان في استطاعة الدول المتحاربة بدونه أن تحقق سرعة انتقال الأساطيل وحركتها ونقل الجنود وصنع المتفجرات؟».

ووصل الأمر بالبعض إلى إرجاع الفضل في كسب الحلفاء للحرب إلى النفط، حتى قيل إن اللورد كيرزن نفسه قال:» إن الحلفاء سبحوا على موجة من الزيت نحو النصر».

ولم تكن الحكومة البريطانية بعيدة عن المشهد السياسي في الكويت بل طالبت وزارة المستعمرات بدعم الشركة في مفاوضاتها مع الشيخ أحمد الجابر حاكم الكويت آنذاك عام 1923م، غير أن الأخير لم يقتنع بعرض الشركة المقدم إليه على هيئة مسودة، وأبلغ المقيم السياسي البريطاني عدم موافقته على الشروط التي تقدمت بها الشركة، ويبدو من موقف الشيخ أحمد الجابر أن دخول «هولمز» منافساً للشركة حيث كان الميجور فرانك هولمز Holms حريصاً على امتلاك امتياز النفط في الكويت.

وتجدر الإشارة إلى أن هولمز قد بذل مساعيه في الحصول على امتياز نفطي في الكويت منذ وقت مبكر يعود إلى عام 1921م ممثلًا عن الشركة الشرقية العامة، وقد تقدم بعدة اقتراحات إلى شيخ الكويت بهذا الغرض، وعلى الرغم من أن جهوده لم تسفر عن نتيجة نهائية ، لكنه لم يكف عن مواصلة سعيه، حيث قام بإرسال برقية في مايو من عام 1923م إلى الشيخ أحمد الجابر يبلغه فيها بحصوله على امتياز من الأمير عبدالعزيز آل سعود، ويحثه على عدم إعطاء أي امتياز نفطي قبل دراسة شروط شركته، وظهر ذلك واضحاً على الشيخ أحمد الجابر حيث أبدى اقتناعه بالشروط التي عرضها عليه هولمز في زيارته للكويت في آخر شهر مايو عام 1923م، مما استوجب هولمز للسفر إلى لندن للحصول على مصادقة الحكومة البريطانية.

باشر هولمز اتصالاته مع شيخ الكويت أواخر عام 1925م وأوائل عام 1926م، وشرع في مارس من عام 1926م بعمليات للبحث عن المياه في الكويت، وتعهد بحفر بئرين في الأراضي المحيطة بسور مدينة الكويت، وهو بذلك يسعى لتحقيق هدفين: الأول: التأكد من وجود النفط، والثاني: كسب موقف الشيخ لمصلحته، وذلك متزامناً مع المسح الجيولوجي الذي تقوم به الشركة الأنجلو فارسية ، ولعل زيادة الاهتمام والتطلعات تجاه نفط الكويت هي التي جعلت هولمز يبحث عن أي وسيلة ليضمن حاكم الكويت إلى مصلحته، إضافة إلى أن المصالح الأميركية في ذلك الوقت أخذت تتجه نحو نفط الكويت، وفي أبريل من عام 1928م تلقى الشيخ أحمد الجابر اتصالاً من هولمز يبلغه فيه بعزمه تقديم عرض جديد بشروط جديدة، وبدأت مفاوضاتهما في يونيو واستمرت إلى أغسطس عام 1928م، ولم تسفر عن شيء، وضغطت بريطانيا على الشيخ أحمد الجابر كي لا يقبل عرض هولمز مستندة على اتفاقيتي 1899 و1913.

والحقيقة أن الحكومة الأميركية أبدت احتجاجاً جديداً عن طريق القائم بالأعمال في سفارتها في لندن أثرتون الذي اجتمع بصورة رسمية في نهاية فبراير من عام 1932م مع الخارجية البريطانية حيث أبلغها أن الأنباء قد وصلت السفارة الأميركية في لندن بما يتعلق بنشاط يقوم به جيولوجيو شركة النفط الأنجلو ـ فارسية، وأن ذلك يعني شيئين: إما أن الشركة تريد الحصول على الامتياز، وإما أنها قد حصلت عليه فعلاً من قبل حاكم الكويت بمصادقة وزارة المستعمرات، بينما تتفاوض وزارة الخارجية البريطانية مع نظيرتها الأميركية بشأن الامتياز الذي تمتلكه الشركة الأميركية.

ملامح من تاريخ تطور الصراع

تنبه مسؤولو شركة نفط الخليج الأميركية إلى أن مماطلة المسؤولين البريطانيين المتواصلة ما هي إلا محاولة كسب الوقت للضغط على الشيخ أحمد الجابر حتى يغير موقفه لمصلحة شركة نفط الأنجلو ـ فارسية، وفي ذات الوقت قامت مجموعة من الدوائر والمؤسسات البريطانية المعنية بدراسة المذكرة الأميركية في محاولة منها للتقليل من الاحتجاج الأميركي، ولعل الخلافات بين الوزارات البريطانية المعنية بالتزامن مع ضغط الحكومة الأميركية عن طريق سفارتها في لندن سبب تعقيدات من قبل الإنكليز، فإلى جانب وزارة الخارجية البريطانية كان هناك رأي وزارة المستعمرات، كذلك وزارة الهند، وأيضاً أدت البحرية البريطانية دوراً كبيراً؛ إذ مارست الخارجية البريطانية دورها الدبلوماسي.

وبذلك يتبين أن الخارجية البريطانية كسبت إلى جانبها موقف وزارة المستعمرات، بينما كانت الأمور غير جيدة مع وزارة الهند التي لم تكن على اتفاق مع الموقف الذي تتبناه وزارة الخارجية، إذ أبدت تحفظاتها وقد رد «أوليفانت» على وزارة الهند بقوله: « أنا أفهم أن وزارة الهند تجد صعوبة في التخلي عن الإصرار على شرط الجنسية البريطانية، وترغب منا أن نذكر في إجابتنا على القائم بالأعمال الأميركي بأن الشيخ يصر على شرط الجنسية البريطانية فإنهم (الأميركيون) لن يصدقوا حينذاك بأنه يعمل بمبادرة منه بل سيفرضون بأنه يعمل بضغط من الحكومة البريطانية». وهذا ما لا نود حقيقة أن يفهمه الأميركيون.

وبالعودة إلى المؤسسات البريطانية التي كانت بين شد وجذب تناقش كيفية الرد على المذكرة الأميركية، فقد قام السيد أثرتون بزيارة لوزارة الخارجية البريطانية في 29 يناير عام 1932م، وطالب أوليفانت بالإجابات التوضيحية التي ينتظرها من الوزارة على الرسالة التي وجهها الشيخ أحمد الجابر إلى هولمز في 2 يوليو عام 1931م، ويؤكد فيها على ضغط الحكومة البريطانية للتمسك بشرط الجنسية، والحقيقة أن أوليفانت كان عاجزاً عن الرد على هذا الاتهام الصحيح، في حين ترك أثرتون مبنى الوزارة وهو في حالة من الغضب الشديد؛ لذا واجهت الحكومة البريطانية الضغوط الأميركية بعقدها اجتماعاً للتوصل لحل هذه المشكلة ولاسيما بعد زيارة أثرتون الأخيرة، وبين فيها أوليفانت صعوبة اللجوء خلف الشيخ، وجعل ما يقوله ذريعة أمام الأميركان، ولعل السجالات بين الدوائر البريطانية كانت متواصلة، إذ كانت كفة وزارة الخارجية في استيضاحها لوجهة نظرها المعتدلة والواضحة طيلة الوقت، لكن في حين أبدت وزارة الهند نوعاً من التفهم حيث بعثت برسالة في فبراير عام 1932م تؤكد تفهمها لقضية النفط في الكويت، وأبلغت نائب الملك في الهند «بأن ميزان المنفعة يكمن في قبول دخول المصالح الأميركية»، وفي رسالة لاحقة إلى وزير الخارجية أشارت حكومة نائب الملك إلى «أنه تقرر منذ سنة 1903م بأن سياسة طرد أو استثناء المصالح التجارية الشرعية الأجنبية من الخليج أمر غير مرغوب فيه، ومن رأيها عدم التمسك بشرط الجنسية».

يبدو أن أوليفانت كان يحاول أن يحل الموضوع بطريقة غير رسمية، فبعث رسالة ودية إلى القائم بالأعمال الأميركي في لندن في 14 مارس عام 1932م أوضح فيها بأن شركة نفط الأنجلو ـ فارسية تفكر أيضاً في الحصول على امتياز نفطي في الكويت، والواقع أنها قدمت طلباً للحصول على ذلك قبل ظهور الشركة الشرقية على المشهد لكن الشروط لم تكن مرضية، إلا أنها على أية حال لم تفقد اهتمامها، وسوف تقوم بمسح جيولوجي، وستقوم بالعمليات الجيولوجية بموافقة الشيخ نفسه ، وأبدى عميق أسفه على عدم رد الحكومة البريطانية على طلب السفارة الأميركية المؤرخ في يناير 1931م؛ إذ تبين أن هناك إجراءات ومباحثات بين الوزارات كانت هي سبب ذلك التأخير، وأن الرد سيكون جاهزًا في المستقبل القريب.

وظهر صوت جديد معارض لما تقوم به الخارجية البريطانية أتى هذه المرة من البحرية البريطانية، إذ سلمت خارجية بلادها في 15 مارس عام 1932م مذكرة سرية جاء فيها: «من غير الضروري بالطبع أن نؤكد على الأهمية القصوى لضمان سيطرة بريطانيا على كميات كافية من الإنتاج على الأقل، وذلك لضمان تعبئة قواتنا المسلحة في الحرب»، وعلى الرغم من موقف البحرية البريطانية، فإنها غيرته تغييراً محدوداً، وجاء هذا التغيير الذي حدث في رؤية البحرية البريطانية للموقف نتيجة للمبررات الآتية:

1 - من غير المجدي والمفيد المجازفة بإساءة العلاقات البريطانية ، الأميركية بسبب هذه النقطة.

2 - من غير الممكن منع الأميركيين الحصول على امتياز إذا لم تكن هناك شركة بريطانية مهتمة به.

3 - لدى بريطانيا التزام أدبي تجاه شيخ الكويت ليحصل على أفضل النصوص الممكنة في أي امتياز يرغب في منحه داخل أراضيه.

4 - الإصرار المستمر على عبارة السيطرة البريطانية الكاملة سيكون مخالفاً لسياسة الحكومة البريطانية النفطية العامة الجديدة.

ومن الجهة الأميركية فقد طلب وزير الخارجية الأميركي من القائم بالأعمال في سفارة بلاده في لندن عدم الاهتمام بالاتصال غير الرسمي، والمضي رسمياً في الإجراءات الرسمية، وبناء على تلك التعليمات كتب أثرتون في 30 مارس عام 1932م مذكرة رسمية إلى وزير الخارجية البريطاني يطالبه فيها بتطبيق مبدأ سياسة الباب المفتوح في الكويت، كما تم ذلك بالنسبة للشركات الأميركية في العراق والبحرين.

تواصل الضغط الأميركي عن طريق سفارة واشنطن في لندن؛ إذ جاءت استفساراتها في مذكرة تسأل فيها عن سبب تأخر إجابة الحكومة البريطانية على طلب الشركة الشرقية العامة، وراحت تطالب بعدم منح شركة النفط الأنجلو ـ فارسية معاملة خاصة، وأكدت أيضاً على معارضة الحكومة الأميركية للوضع غير العادل الذي وضعت فيه الشركة الشرقية العامة مع نظيرتها الأنجلو ـ فارسية، وقد واجهت السفارة الأميركية متمثلة بسفير واشنطن في لندن ميلون هذا الصراع المحتدم حيث طلب موعداً مبكراً مع وزير الخارجية البريطاني في13 أكتوبر عام 1932م، وقد أعرب ميلون في اللقاء الذي تم في الشهر نفسه عن نفاد صبره للتأخيرات التي اتسم بها موقف الحكومة البريطانية، وجدد شكواه في مذكرة رسمية شديدة اللهجة بتاريخ 2 نوفمبر عام 1932م، بيّن فيها أن التأخر في التوصل إلى حل بشأن قضية امتياز نفط الكويت قد استنفد صبر حكومته، وأصبح يثير الغضب، كما انتقد موقف الحكومة البريطانية في عدم اتصالها بالشركة الشرقية العامة على الرغم من الوعود المتكررة، حتى أنه ذهب إلى اتهام الحكومة البريطانية في مذكرة بتاريخ 7 نوفمبر عام 1932م بتعمدها التأخير في إقرار موضوع امتياز نفط الكويت طيلة السنوات الأربع السابقة.

وبتحليل بسيط لموقف حاكم الكويت الشيخ أحمد الجابر من جانب الصراع البريطاني ـ الأميركي الدائر على نفط الكويت فقد كان موقفه حكيماً، وإن بدا للعيان بأنه سيقف إلى جانب بريطانيا لكننا نراه صاحب رؤية عميقة وبعد نظر، فقد حاول جاهداً أن يحصل على مكتسبات من اتفاق الامتياز، حتى أن الصراع بين البلدين دخل منعطفاً جديداً، ومرحلة مهمة أيضاً متمثّلاً بالمنطقة الكويتية المحايدة مع السعودية كما سنرى في المطلب الثالث من هذا الفصل، وكانت الأحداث الدولية تجري على وتيرة جعلته يؤجل، ويكسب وقتاً قدر الإمكان، ولم يكن ذلك بعيداً عن مناقشات المسؤولين البريطانيين.

كان الشيخ أحمد الجابر مطلعاً على نشاط الملك عبد العزيز آل سعود وتحركاته في منح امتياز الإحساء، ومن ثم مفاوضاته بخصوص المنطقة المحايدة التابعة له؛ إذ كانت محل متابعة وتحليل من قبله، وكذلك من قبل الإنكليز؛ لذلك نراه يسعى جاهداً في محاولات حثيثة للاستفادة قدر الإمكان من أي مميزات مقدمة في الامتيازات التي تم توقيعها من قبل الدول المجاورة للكويت، في المقابل حاول الملك عبدالعزيز التأثير على الشيخ أحمد الجابر إذ كان يسعى بدوره لضمان موقفه لمصلحة الأميركيين، ولعل ملابسات قضية امتياز منطقة المحايدة، وسعي الملك عبدالعزيز الدؤوب لضمان امتياز القسم الكويتي منها أيضاً لمصلحة الأميركيين كل هذه الأمور كانت كالإشارة الواضحة إلى أن الوضع أصبح معقداً كثيراً إزاء قضية امتياز نفط الكويت لدى كل من بريطانيا من جهة، وبين الشركتين المتنافستين من جهة أخرى، وهو ما دفعهم للعمل المشترك بغية الحصول على اتفاق يضمن حصولهم عبر اتحادهم على امتياز نفط الكويت.

وبالعودة لقصة الصراع البريطاني ـ الأميركي بمراحله المختلفة فقد أعطت صورة عن أهمية الكويت ونفطها بالنسبة للمنظومة الاقتصادية في كل من الدولتين، والصراع بينهما كان سيأخذ مأخذه لو أن أي من الطرفين استمر في المضي بتعنته لسنوات أخرى، إلا أن واقع المصالح يفرض نفسه من جديد كمبدأ أساسي في العلاقات الدولية، ويبدو أن موازين القوى قد اختلفت كثيراً بعد الحرب العالمية الثانية؛ لذا بزغ نجم الولايات المتحدة الأميركية كلاعب دولي جديد مع أفول نجم بريطانيا وتراجعها كما تم الحديث عنه. وتبين لنا صحة الرأي القائل إن بريطانيا سيطرت على منطقة الخليج، وتسيدت المنطقة عن طريق معاهداتها مع حكام مشيخات الخليج، وسيطرتها على الهند وإيران؛ إذ كانت تطلق لنفسها العنان من خلال إداراتها المختلفة لإبداء الرأي والنصح فيما يتعلق بالعقود المعروضة بما يخص امتياز النفط في الكويت، وهو دليل قاطع على أهمية الكويت بالنسبة لبريطانيا، وأن لندن لن تسمح بفقدانها.

وبالعودة لخصوصية الكويت ووضعها الدولي كونها تحت الحماية جعل الولايات المتحدة تحاول وتضغط بكل الطرق الدبلوماسية ليكون لها موطئ قدم نفطي فيها، يدعمها في ذلك كيانها النفطي، والعقود الموقعة باسم شركاتها في البحرين والسعودية، أما بريطانيا فكانت على النقيض تسعى لوأد أي مشروع أميركي (وأقصد هنا الشركات النفطية الأميركية الجنسية) في الكويت، وتحاول كسب الوقت خدمة لمصالحها في المنطقة، وإن كانت بطريقتها الدبلوماسية قد أدركت أن الولايات المتحدة الأميركية لن تتوانى لحظة واحدة في الدفاع عن مصالح شركاتها، وأن واشنطن ستبقى داعمة لكل المصالح المتعلقة بالنفط في منطقة الخليج العربي، ولعل من المناسب أن أذكر هنا أن تأخر منح امتياز استغلال البترول في الكويت عن منح الامتياز في البحرين والمملكة العربية السعودية؛ لأنه رافق منح امتياز الكويت تدخل دبلوماسي لم يرافق منح أي امتياز للبترول في الشرق العربي كله.

ولعل الحديث هنا كان طويلاً من حيث إصرار الطرفين على عدم تقديم تنازلات؛ حيث إنهم لم يلتفتوا لمصلحة الكويت بل كان نصب أعينهم مصالحهم الخاصة؛ لذا عندما أتتهم الفرصة اتحدوا ليفوزوا معا بعقد الامتياز بعد صراع استخدمت فيه بريطانيا ثقلها الدبلوماسي داخل أروقة الخارجية البريطانية في المقابل استخدمت فيه واشنطن لغة جديدة وعقلية جديدة للوصول إلى المنطقة وتحديداً للكويت عبر دبلوماسية هادئة تميزت فيها عن غيرها.

حمزة عليان