نحن بحاجة جادة وملحة وصادقة لإعادة قراءة أوراق الوطن وترتيبها، فقد أضاعنا وأضاع البلد معنا، حقاً، سلوك بعثرة الأوراق أو خلطها أو إهمالها أو تمزيقها وربما حرقها.

ولعل البحث في أوراق مجلس الأمة وتقليبها منذ بدايته عام 1963 حتى اليوم يزودنا بدراية حول كيف فرّط المجلس في أوراق مهمة، بل كيف مارس خلط الأوراق وكيف بعثرها أعضاؤه ليفوتوا الفرصة على تطور التجربة البرلمانية بدلاً مما سجلته من تراجعات.

Ad

1- يلاحظ المراقب غياب المشروع الوطني الإصلاحي العام البرامجي لدى مجلس الأمة وأعضائه بشكل عام، باستثناء محاولات محدودة وجزئية مثل ملف تأميم النفط، وقد ساهم في غياب ذلك عدم الحرص على تكوين الحكومة البرلمانية كما دعت إليها المذكرة التفسيرية للدستور، وفساد النظام الفردي في العمل البرلماني بمحاكاة واضحة للعمل الحكومي، الذي اتسم بالفردية في العمل، رغم تجربة حكومة مجلس 1992 الارتجالية.

2- وقد ساعد على تكريس ذلك عدم المبادرة لإشهار الأحزاب السياسية والتي تعمد الآباء المؤسسون تركها لمجلس الأمة الذي بعثر أوراق هذا الملف.

3- ومن مظاهر تلك البعثرة، عدم إرغام الحكومة على تقديم برنامجها بفورية منطقية وفقاً للمادة 98 حتى يكون ذلك أساساً لمعرفة توجهات الحكومة وخططها المستقبلية ببرنامج زمني محدد ومنضبط، إلا مرتين وبشكل مجتزأ، فالخطط التنموية عرفت دربها للمجلس عام 1985 وفي بداية مجلس 1992، ثم توقفت وصارت متعارضة.

وقد أفقد هذا الأمر المجلس القدرة على محاسبة الحكومة على أساس ذلك بدلاً من الارتجال بالمحاسبة، وبرز الابتزاز السياسي بدلاً عن ذلك لتحقيق مكتسبات ومغانم شخصية أو البحث عن بطولات وهمية، عند بعض الأعضاء.

٤- وصاحب ذلك إهمال إصلاح النظام الانتخابي الذي كان يجنح دائماً لتعزيز الفردية خلافاً لتوجهات الدستور، وتعزيز مقاعد الأعضاء وهو ما نلمسه في إبقاء نظام الـ 25 دائرة بصوتين رغم أنه لم يكن وليد الإرادة البرلمانية، والذي استمر سبعة انتخابات! ولذا وحتى نظام الخمس دوائر بأربعة أصوات، الذي تدافع لتحقيقه حراك شعبي واسع، جاء مفصلاً على مقاس نواب محددين، وقد انحدر الوضع في ظل نظام الصوت الواحد، وهو الذي أورث وهناً بمجلس الأمة، وقد أفرزت كل الأنظمة وشجعت الظواهر المرضية المعروفة (فئوية - فرعية - شراء أصوات - نقل أصوات - نائب خدمات - فردية)، وهو ما ساهم في غياب أغلبية برامجية رشيدة واستبدالها بتحالفات هشة آنية، سرعان ما تشتتت وتاهت بالصراعات أو الاصطفافات.

5- أما التشريع فقد غاب عنه إكمال بناء المؤسسات وكان خاضعاً لردة الفعل وللكثير من الارتجال، ومن ذلك إهمال إعادة بناء القضاء وتطويره، مثل فصل رئاسات القضاء، ومخاصمة القضاة وسرعة التقاضي والأخذ بفكرة اختزال أساليب تبادل الأدلة وقاضي الإجراءات، وأيضاً عدم تطوير المحكمة الدستورية التي ولدت مشوهة وغير متسقة وتوجهات الدستور في تكوينها واختصاصها.

6- ومن ذلك تشريعات تحدد وتضبط دور الحكومة داخل البرلمان لمنع هيمنتها عليه والسيطرة على مجريات عمله الداخلي باختيار رئيسه وتكوين لجانه، حتى أضحت بعض مجالس الأمة تبعاً لمجلس الوزراء، تماماً كما كان هناك تعسف في مواجهة الحكومة في أحيانٍ أخرى.

7- ومنها غياب جهود جادة لإصلاح بيت الأمة نفسه بإعادة إصدار لائحته الداخلية بقرار من المجلس لا بقانون، كما حدد ذلك الدستور (م.117) وحسمها المجلس التأسيسي بتصويت مشهود، فضلاً عن الفشل في وضع ضوابط لسلوك نوابه مجاراة لما فرضه الدستور. وقد انعكس ذلك في التقصير بأداء أعضاء المجلس، بل وتغلغل مظاهر الفساد واستغلال العضوية واللامبالاة في حضور اللجان وجلسات المجلس، وظاهرة انعقاد اللجان بلا نصاب، بل وحتى التجاوزات في أنماط من السلوك النيابي، وهو ما أورث العديد من المخالفات للدستور وللتقاليد البرلمانية، بل ولطبيعة الديمقراطية والنظام البرلماني الذي لم يساهم في تطوير البلاد أو وقف تدهورها ومنع انتشار الفساد الذي نعانيه حتى اليوم. وقد أضعفت كل تلك المظاهر وغيرها المؤسسة البرلمانية وضيعت هيبتها.

وقد يتساءل البعض: ألم يكن لمجلس الأمة محاسن وإنجازات؟ ونقول: نعم، لكنها محدودة ولم تساهم في تطوير النظام الديمقراطي والحياة العامة، وتحقيق النقلة النوعية، لكن وجود المجلس، وقوة تكوينه أحياناً كانا سبباً لفرض متابعة ورقابة مهمة أوقفت ما هو أسوأ مما نعيشه اليوم. ويبقى التفاؤل يحدونا أن نشهد تغييراً قريباً بإذن الله.

محمد المقاطع