تنص القاعدة على أن المعروف أولىٰ أن يكون لأهله ثم لمن يحتاجه، ولكن لأن أغلب البيوت لدغت من جحورها ربما مئتي مرة! فـقدم الغرباء على الأقرباء، ومن ثم ألف الناس أمثالا بين بعضهم كـ"الأقارب عقارب"، و"الدخان القريب يعمي"، وغيرها من الأمثال التي كنا نسمعها صغارا وننفر استغرابا من كيفية وصف الأخ بالعدو والأهل بالعقارب؟ لفطرة السلام التي أودعها الله فينا.

ولكن مع لسعات الحياة القاهرة والمواقف التي أودت بثقتنا قاع الغور إزاء أقارب كانوا لنا كالوريد، بتنا نفهم أن الأمثال ما ألفها الناس اعتباطا، وإن كنا متمسكين على أن كل ما سبق استثناء رغم نزول القدر كقاعدة يستثنى منها ما ندر من الأقارب بِحق.

Ad

أنت لن تفهم طعم عزوفك عن أهلك، إلا حين يتخلى عنك أحد من دمك ولحمك، وهذا ما نستشعره كلما حنت حكومتنا لمن هم خارج حدودنا، فنشعر وكأن الحضن لا يسعنا أو أنه لاه عنا بغيرنا، تماما كمن يقال عنه "باب النجار مخلع"، يكدح ليرمم أبواب الناس وداره بلا باب أو ربما بأبوابٍ مهترئة! لو أن كل حكومة صنعت من شعبها أولوية، لاختفى الفقر عن العالم.

عندما تبادر الكويت إلى التبرع والعطاء بالملايين والمليارات ويئن شعبها تعسرا من هم القروض والديون، فيصبح لزاما عليها إعادة النظر في تقنين العطاء لمن هم أولى وأحق.

لن أدعو إلى إسقاط القروض، إيمانا مني أن المرء مسؤول عن قراراته، لكن لو سعت القرارات إلى رفع سقف الرواتب وزيادة امتيازات المواطن لما كان العطاء لغيرنا يؤلمنا ويشعرنا بالظلم. نعيش تماما كحالة الابن الأوسط، الذي يشهد تدليل أخته الصغرى وامتيازات الأخ الأكبر ولا يجرؤ على الاعتراض عدا القبول بمضض.

أفتخر طبعا أن يتصدر وطني محافل الجود والكرم، ويسعدني جدا انتمائي إلى دولة الأصل والذوق، لكن كما يقال "الزيادة في الشيء كالنقصان"، فلا يستوي أن أدلل جيراني ولأهلي احتياجات لم تلب بعد! فغلاء المعيشة وجشع التجار لا يوازي متوسط دخل الفرد العادي في الكويت.

أرأيتم كم الغبطة التي أدركها أغلبنا بعد قرار تأجيل أقساط القروض؟ وكأننا مثقَلون من هم صعود جبلٍ لا انتهاء له، فأتىٰ القرار كـالتقاط الأنفاس بعد تقطعها.

أرجو تكرما نسيان كل تلك الأمثال البالية، والتركيز على أمثالنا المحلية فقط، كـ"دهنا في مِكَبتنا"، و"الجود من الموجود" عله يساهم في تغيير قاعدة "الغريب أقرب من القريب".

تهاني الرفاعي