منذ عام تقريبا، ولا صوت يعلو على جائحة كورونا، إلا أن الاختلال الكبير الذي ظهر في الموازنة العامة لدولة الكويت للسنتين الماليتين الحالية والقادمة (2020/ 2021 – 2021/ 2022) لا يقل أهمية عنها. فكما أن صحة المواطنين أولوية قصوى، فكذلك هو الاستقرار المالي والرخاء الاقتصادي للوطن.

ورغم هذا الاختلال الكبير في الموازنة، فإننا لم نرَ ردة فعل ترقى إلى مستوى الحدث على الإطلاق. بل على العكس، بدلا من إيجاد مصادر أقل كلفة لتمويل العجز ووضع خطط (تشتمل على آليات فاعلة لمحاربة الفساد وإيقاف أوجه الهدر) لتصحيح المسار بأقل الأضرار، نُفاجأ بالاتجاه مباشرة نحو "الحلول السهلة" (كما عبَّر عن ذلك وزير المالية في تصريحه). فتم إقرار قانون لإيقاف تحويل 10 في المئة من إيرادات الدولة لصندوق الأجيال القادمة في سنوات العجز، ومن ثم صرف السيولة المتاحة، فتم صرف جميع سيولة صندوق الاحتياطي العام -والتي بلغت أكثر من 40 مليار دينار في عام 2015م-، وتم طلب سحب السيولة المتوافرة في مؤسسات الدولة المختلفة (مثل مؤسسة البترول). ليس هذا فحسب، بل تسرَّبت الأخبار بأن الحكومة تقوم بمبادلة أصول صندوق الاحتياطي العام غير السائلة مع سيولة صندوق الأجيال القادمة، وأن هناك خططاً للاقتراض من الصندوق. ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد، حتى فوجئنا بإحالة الحكومة إلى مجلس الأمة مشروعاً بقانون يقضي بسحب مبلغ (وليس اقتراضا) من احتياطي الأجيال القادمة لا يتجاوز خمسة مليارات دينار سنويا غير محدد بمدة. ومن المثير للقلق أن كل هذه الأحداث حصلت في أقل من عام، وهو ما يدل على أننا كنا حتماً نسير في الطريق الخطأ من ناحية إدارة المالية العامة لسنوات طويلة. وليس المجال الآن الحديث عن أخطاء الماضي، لكن فيما سنفعل لمواجهة التحديات مستقبلاً.

تُعد الكويت من أولى الدول في تأسيس الصناديق السيادية، والتي من شأنها الحفاظ على الثروات، خصوصاً للدول التي تعتمد على مصدر أحادي الدخل (مثل بيع النفط). فتم إنشاء صندوق الاحتياطي العام في عام 1953م، ليتم إيداع جميع إيرادات الدولة فيه، واستثمارها وفق الحاجة. وفي عام 1976م تم إنشاء صندوق احتياطي الأجيال، وتم تحويل 50 في المئة من رصيد الاحتياطي العام للأجيال في ذلك الوقت، إضافة إلى إيداع ما لا يقل عن 10 في المئة من إجمالي إيرادات الدولة سنويا. وتتم إدارة الصندوقين من خلال الهيئة العامة للاستثمار. وكان الهدف من إنشاء صندوق الأجيال هو تأمين مستقبل الأجيال القادمة بعد نضوب النفط. وتُقدر قيمة أصول صندوق احتياطي الأجيال اليوم بين 500-600 مليار دولار (150-180 مليار دينار).

Ad

إن امتلاك الكويت لمثل هذا الصندوق السيادي يعطيها الملاءة والجدارة المالية لعمل الإصلاحات اللازمة، وتمويل مشروعاتها، من خلال الاقتراض، أو من خلال شراكات استراتيجية مع شركات أجنبية لتمويل المشاريع التنموية داخل الكويت. فعلى سبيل المثال، عندما تذهب للبنك لاقتراض 100 ألف دينار ولديك كاش وأسهم وعقارات بقيمة مليون دينار، ليس كمن يذهب لاقتراض نفس المبلغ وليس لديه إلا منزل بقيمة 200 ألف دينار، إذ إن شروط الاقتراض وتكلفته ستكون مُيسَّرة ورخيصة على الأول ومكلفة على الثاني.

وفي حال إقدام الدولة على الاقتراض (وهو الخيار الذي لا مفر منه)، ستكون تكاليف الاقتراض أقل من العوائد التي يحققها الصندوق السيادي، إذ إن تكاليف الاقتراض لحكومة الكويت ستتراوح بين 1-3 في المئة (وفق نوع السندات ومدتها). ونتوقع أن يحقق الصندوق أعلى من هذه النسب بكثير (علماً بأن الهيئة العامة للاستثمار لا تنشر مؤشرات الأداء).

وأخيرا، بإمكان الحكومة الاستفادة من صندوق احتياطي الأجيال بشكل كبير، ليس عن طريق السحب أو الاقتراض، بل من خلال جعل الصندوق أداة أكثر فاعلية في تحريك الاقتصاد المحلي واستقطاب رؤوس الأموال. فقد كان لهيئة الاستثمار العديد من النجاحات على الصعيد المحلي في تأسيس البنوك وشركات الاتصالات والبتروكيماويات وغيرها. وبالإمكان تعزيز نشاط صندوق الأجيال القادمة –عن طريق الهيئة- داخل الكويت، من خلال الاستثمار في قطاعات جديدة ونوعية، بالتعاون مع شركات أجنبية. فيمكنها مثلاً إنشاء شركة تطوير عقاري ضخمة لبناء مساكن حديثة وعصرية متكاملة الخدمات، وإنشاء شركة للاستثمار في الطاقة البديلة، وإنشاء شركة وطنية لإعادة تدوير مخلفات البناء والنفايات، وإنشاء شركات صناعات نفطية وبتروكيماوية حديثة، وإنشاء شركة للأمن الغذائي من خلال تقنيات الزراعة الحديثة (كالعمودية والمائية)، وتطوير شركة المشروعات السياحية، وتفعيل أصولها، وغيرها من الأفكار التي من شأنها أن توفر العديد من الفوائد للدولة وللاقتصاد بشكل عام:

• تخفيف حمل بعض الأعباء التنموية عن كاهل الدولة بما يحقق عوائد للصندوق.

• استقطاب رؤوس الأموال والخبرات الأجنبية، إذ إن العديد منها يرغب بالاستثمار في تلك القطاعات، ووجود هيئة الاستثمار معه كشريك سيكون داعماً مهماً.

• توفير العديد من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة للمواطنين.

ختاماً، إصلاح الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد قادم لا محالة، وحتما ستكون الإصلاحات مؤلمة للجميع، لكن لابد أن تكون هناك رؤية وطنية شاملة للإصلاح بقيادة أبناء وبنات الوطن المخلصين. والإصلاح هنا يشمل جميع المجالات؛ الاقتصادية والسياسية والتعليمية وغيرها. قد ننجح في تخفيف آثار الأزمة بتطبيق بعض الحلول الفردية، لكن من دون مشروع إصلاح متكامل وجذري لن نستطيع حتماً تجاوز الأزمة.

للأسف، تتساقط حصوننا المالية واحدا تلو الآخر، وآخر حصوننا المالية القوية هو صندوق احتياطي الأجيال القادمة، وهو حق لتلك الأجيال، فلنحافظ عليه، كما أراد مؤسسوه، وكما أوصلوه لنا. فعصر النفط لم ينتهِ بعد، وإن كان قد تغير كثيرا، لكن لايزال أمامنا الكثير من الحلول والآليات التي باستطاعتنا القيام بها قبل أن تمتد يدنا إلى الصندوق.

والله الموفق.

فهد محمد العلوش