كانت الجزيرة العربية قبل الإسلام مجرد مركز عبور ترانزيت بين القارات. طبيعة الحياة فيها طاردة، لا تتضمن أي عوامل جذب للإقامة والاستقرار. وحين بدأ الإسلام من وسطها ووحّد شعوبها ثم انتشر، لم تستقر قياداته فيها طويلا، وفضلت الانتقال إلى حيث المناخ الأنسب والمجتمعات الأكثر استقرارا. وعلى هذا الأساس كتب ابن خلدون قبل ستة قرون في وصف عرب الجزيرة «بأنهم لا يحبذون العمل الشاق، وأن رزقهم في ظلال رماحهم، ويعدّون كسب الرزق بالعمل الشاق لا يليق بكرامة الرجل، لأن العمل الشاق هو للنساء غير القادرات على الغزو والقتال». تلك كانت طبيعتنا إلى أن بدأت أموال النفط تتدفق قبل حوالي سبعين عاما، ومعها توقفنا عن الغزو والقتال، والعمل الشاق.

سبعون عاما لم تتردد الدولة خلالها عن تقديم الرعاية والدعم لمواطنيها. عشنا أجمل وأسعد سنوات في تاريخ الكويت. ولم يكن على المواطن خلالها سوى الاستمتاع بحياته بما تمنحه له الدولة من مميزات لا تنتهي. واجباته تجاه بلده خلال الفترة كانت شبه معدومة ومشاركته في إدارة شؤون البلد شكلية. مشاريع التنمية ينجزها وافدون، جذبهم النفط وفرص العمل المتوفرة، من مختلف أنحاء العالم بمؤهلات أفضل وتكاليف أقل. قلة منهم كسبناهم بالجنسية واندمجوا في المجتمع واستقروا ليفيدوا ويستفيدوا، أما الأغلبية التي حاجتنا لهم أيضا مستمرة فلن يكون من السهل إقناعها بالبقاء بإقامة مؤقتة بانتظار نهاية عهد النفط.

Ad

مشكلتنا أن سبعين عاما من الدولة الريعية جعلتنا نفقد القدرة على الغزو والقتال، ونكره العمل الشاق. وتساهلنا الرضوخ الأعمى لنخبة، تعتبر الحرية والمعرفة عدوها الأكبر، فتسيطر على الفكر والإبداع بسلاح العادات والتقاليد، لتنشغل البلد بمنع بيع القهوة في ممّيه.

لذلك سيكون من الصعب تحديث الجينات دون انفتاح لتسهيل توطين المستحق، بمبادرة لإلغاء قانون الكفيل وتعديل قانون الجنسية ليتضمن مرحلة تجريبية بإقامة دائمة، تتبعها مرحلة يكون المقيم فيها مؤهلا لتقديم طلب الحصول على الجنسية. إننا بحاجة لأن نختلط بمن جيناتهم لا تعتبر العمل الشاق عيبا، ولم تفسدها الرعاية الزائدة. وبحاجة لسياسة مماثلة للتي اتبعتها ألمانيا بعد هزيمتها في الحرب، حين قبلت توطين الملايين من دول مختلفة للمساهمة في إعادة البناء والتنمية، ليظهر بينهم فيما بعد أوغور شاهين، العالم الذي طوّر لقاح فايزر ضد كوفيد 19، وهو من أصول تركية. ومؤخرا أيضا حين قبلت توطين مليون لاجئ معظمهم من السوريين المسلمين لأسباب إنسانية بلا شك، ولكن أيضا لزيادة نسبة الشباب بين سكانها بهدف المحافظة على قدراتها التنافسية، وبأمل أن يكون من بينهم أكثر من ستيف جوبز مؤسس شركة أبل ذي الأب السوري.

إلى متى نرفض أن يصبح الدكتور محمد (اسم مستعار) كويتيا؟ وهو من مواليد الكويت، تعلّم فيها وعاش بيننا أكثر من خمسين عاما، وكذلك زوجته المتخصصة في رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة، وأبناؤهما الذين لا يعرفون بلدا غير الكويت. وإلى متى نرفض الآلاف المستحقين مثلهم من مهندسين ومعلمين وممرضين وفنيين وغيرهم من الذين يدعمون البلد بمؤهلاتهم التي لا يمكن الاستغناء عنها. إن من يرفض هؤلاء، ويطالب بتكويت الوظائف، يساهم في تدمير مستوى الخدمات في البلد، ويقدم مصلحة الأقرباء على مصلحة البلد لتعزيز نفوذه.

دول كثيرة تجاوزت الدول النفطية بمستوى المعيشة بالاعتماد على سكانها. لكن النرجسية التي نستمدها من كوننا الثلث المميز بين السكان هي التي جعلتنا لا نرحب بالكفاءات بيننا وننكر حق مواليد الكويت وأبناء الكويتية من زوجها غير الكويتي وكثير من البدون ومن أمضى أكثر من ثلاثين عاما من عمره يعمل في بلدنا. إننا بحاجة لهؤلاء لجيناتهم وجهودهم التي لم تفسدها الرعاية. وهم بحاجة لبلد يحتضنهم ليرتاحوا ويستقروا ويبدعوا.

الخلاصة

كنا في مرحلة هدفنا أن يبقى عدد المواطنين خلالها منخفضا لزيادة حصة الفرد من الرعاية، وأصبحنا في مرحلة هدفنا زيادة عدد المواطنين، لأن الإنسان هو الأساس في الدول المتقدمة، وهو البديل الفعّال لتنويع مصادر الدخل.

نجيب حمد الصالح