يحتفل العالم في كل سنة بيوم تكون المرأة جلَّ حضوره، وتُنظم محاضرات ولقاءات وورش وحفلات لإحياء هذه المناسبة، لكني أنا، الطالب الذي سيبقى طالباً في مدرسة وجامعة وحياة المرأة، أمارس احتفالي بالمرأة كل يوم، وأنا أكتب جُملتي هذه ليس من باب القول، وليس من باب المبالغة، وليس من باب الاستعراض، ولا حتى لكي يُقال عني إنني مع المرأة. لكني أكتبها لأنها حقيقتي الصارخة!

كلما تذكّرت وحكيت أو كتبت عن طفولتي فأنا أكتب عن أمي، يرحمها الله، تلك المرأة البسيطة حد الرهافة! فكيف يمكن أن تكون طفولة دون أمّ؟ وأمي هي كل أمهات العالم، لأنهن يتشابهن كثيراً، في ممارستهن لطبيعة حياتهن، بأن يحملن، ويتحمَّلن مشقات فترة الحمل المؤلمة. وهناك مَن يمر حملها برداً وسلاماً، وهناك من لا يكون حملها لا برداً ولا سلاماً، بل يكون وجعا وتعبا وآهة فوق آهة! لكنها المرأة وقدرها أن تحمل، وقدرها أن تلد، ومنْ قال إن الولادة أسهل من الحمل؟ ومسلك المرأة هذا لا علاقة له بالمكان، ولا الزمان، ولا اللون، ولا الديانة، ولا المستوى التعليمي، ولا الفقر، ولا الغنى، فما دامت المرأة امرأة فهي مانحة الحياة الأولى، وهي حامل شقاء وسعادة العالم، وهذه أمي، وهي كل الأمهات!

Ad

حين تجاوزت عتبة بيتي بخطوتي الأولى، وبقدر حضور أبي كان حضور أمي أكثر. صحيح أنني أعيش، وكباقي البشر، في مجتمع رجالي، وصحيح أن على الولد أن يكون رجلاً، حتى وهو كان صغيرا، لكن عليه، وفي مختلف أطوار حياته، أن يكون إنساناً، وهذا الإنسان منْ يربّيه داخل الإنسان هي الأم! ومنْ عجزت أمه عن بذر نبتة الإنسان فيه، فقدره الصعب أن يواجه العالم عارياً إلا من قسوته ودمويّته، وحتى إرهابه!

حين كبرت وتجاوزت مرحلة الدراسة الثانوية، ودخلت الجامعة، يوم كانت الدراسة في جامعة الكويت مختلطة، ويوم كنت أجلس إلى جانب زميلي وزميلتي في الفصل، والمكتبة، والمختبر، والكافتيريا، والمسرح، والملعب، وفي الطائرة حين نسافر في رحلات طلابية تستكشف العالم، وحين وحين وحين... أمضيت خمس سنوات في كلية الهندسة والبترول وكانت أمي معي، طوال الوقت، ولم تكن وحدها، بل اصطحبت معها في رأسي أختي الوحيدة، وظلتا؛ أمي وأختي، تتبسمان لي كلما كنت ذلك الطالب الإنسان، ويصعد الضيق لوجهيهما، وقد تغضب نظرة أمي متى ما ملت عن الطريق، وكنت غير الطالب الذي درّسته وعلّمته في حضنها!

أنهيت دراستي الجامعية كمهندس مدني، وانتقلت للعمل في المشاريع الإنشائية، تحت ظل شمس الكويت الحارقة، بين آلاف العمال، ومن مختلف بلدان الدنيا وسحنها ودياناتها ورطاناتها، ومع مئات المهندسين والفنيين، وتدرَّجت في عملي الميداني؛ من مهندس موقع، حالي حال أي عامل، وحتى وصولي لرئيس مهندسين في واحدة من أكبر شركات المقاولات في الكويت، لكن ما عساني اكتشف في رحلة عملي الميداني، اكتشفت أنني كمهندس أعيش نبض إنشاء المباني من الحفرة وحتى البناية الشاهقة، أشرف على عمل العمال، وأتناقش مع المهندسين، وأحتد مع المقاولين من الباطن، وأدقق الدفعات الشهرية، أمارس كل هذا وأمي معي، لا تهدأ، تهمس بي: كُن إنساناً، كُن صادقاً، كُن نقياً، كُن طيباً، كُن، وكُن، وكُن، ولا تفتأ تحتضنني بنظرتها الحنون قائلة: "الله يحفظك يا وليدي!".

بعد تخرجي في الجامعة، وانتقالي مباشرة إلى العمل الهندسي الميداني، وسيري في دروب الحياة، ارتبطت بزوجة، وكانت أمي حاضرة في زواجي قبل حضوري أنا فيه، فأنا نظرت لزوجتي بعين أمي، وأحببتها بحب أمي، وتمنّيتها بتمني أمي، واقترنت بها بقرب أمي، وأذكر وتذكر هي أيضا، أن أمي حين رأتها للمرأة الأولى ابتسمت قائلة: "زوجتك ببشرة بيضاء حلوة!". اقترنت بزوجتي ببركة أمي، وعشت معها وأعيش، وهي تدرك كيف أن أمي لا تغيب عن لساني في كل يوم، وأنها بعد وفاة أمي، صارت زوجتي، وصار قلبها قلب أمي! ولأني أنظر للعالم بعين امرأة، شاءت إرادة الله أن تكون ذرّيتي بنات، هما: فرح وفادية، ولا يكاد يمر يومي دون وصلي وحبي لهما!

أعيش العالم بمذاق امرأة. ألم أقل لكم: أمارس احتفالي بالمرأة كل يوم! وفي يومها أقول: لكل امرأة، لكل أم تقدير ومحبة تليق بقلبها!