تناولت في مقال الأحد الماضي تحت هذا العنوان الاستحسان والقبول والترحيب من كل الأوساط، حتى من خارج الكويت في المحيط العربي، بتقليد عبدالله الرومي، نائب رئيس مجلس الأمة الأسبق، للاضطلاع بالمسؤوليات الدستورية الكبيرة، التي تلقى على عاتق وزارة العدل في الدول كافة، والتي لا يستطيع وزير أن يتسلب أو يتنصل منها، وقد اقتصرنا في المقال سالف الذكر على مسؤوليتين هما: (الدور التشريعي لوزارة العدل في تحقيق مبدأ الدولة القانونية)، و(دور وزير العدل الضامن لاستقلال القضاء).

ونستكمل اليوم بعض هذه المسؤوليات فيما يلي:

Ad

ثالثاً: استقلال القضاء حق المواطن وحق الشرع

وضمان استقلال القضاء، وهو أحد مسؤوليات وزير العدل الأولى، هو ضمان هيبة الدولة وهيبة الأمة بين سائر الدول والأمم، وهو ما قد يغيب عن البعض، ممن قد تقتصر نظرته إلى هذا الاستقلال على أنه انفراد بالقضاء بأحكام خاصة أو بكادر خاص، بما يفرغ هذا الاستقلال من مضمونه الحقيقي وفحواه.

فاستقلال القضاء، قبل أن يكون حق القاضي، هو حق المواطن في أن يظله هذا الاستقلال بالعدل الذي هو أسمى الغايات وأنبلها في حياة الأمم والشعوب، أو ما كما يقول أئمة الفقه الإسلامي هو حق الشرع.

لهذا يعتبر العدوان على استقلال القضاء عدوانا على حقوق الفرد وحرياته، وعدوانا على الشرعية ومبدأ سيادة القانون، يقول المولى عز وجل: "وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ"، ويقول سبحانه مخاطباً رسوله، صلى الله عليه وسلم: "وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ".

وينص الدستور في المادة (162) على أن "شرف القضاء، ونزاهة القضاة وعدلهم، أساس الملك وضمان للحقوق والحريات"، نعم فالقضاء ميزان العدل، وبالعدل وحده تصان القيم وتسمو المبادئ والأخلاق، وتستقر الطمأنينة فى النفوس، ويشعر كل مواطن بالانتماء لوطن يذود فيه القضاء عن كرامة الإنسان وحرياته وحقوقه، ولهذا تبوأ العدوان على القضاء، صدارة الخطايا العشر فى دستور العصر، والجزء الأول من هذه الدارسة.

"أليس القضاء هو الأمين على الأرواح والأنفس والحريات؟

أليس هو الحارس للشرف والعرض والمال؟

أليس من حق الناس أن يطمئنوا إلى أن كل ما هو عزيز عليهم يجد فى كفالة القضاء أمنع حمى وأعز ملجأ؟

أوليس من حق الضعيف إذا ناله ضيم أو لحق به ظلم أن يطمئن إلى أنه أمام القضاء قوي بحقه، عزيز بنفسه مهما كان خصمه قوياً بماله أو جاهه أو سلطانه؟

أوليس من الحق أن يتساوى أمام قدس القضاء الحاكم والمحكوم، وأن ترعى حمى الجميع عين العدالة".

(منقولة من المذكرة الإيضاحية لأول قانون لاستقلال القضاء صدر في مصر سنة 1943).

رابعاً: وزير العدل حارس لسيادة الدولة في تشريعها وقضائها:

فأول مظاهر سيادة الدولة، هو بسط تشريعاتها على أراضيها، وهي إحدى أهم مهام وزير العدل، وثاني مظاهر هذه السيادة هو بسط ولاية قضائها الوطني على أراضيها ومواطنيها ولو خارج الكويت.

ووزير العدل هو الحارس على قيم المجتمع ويشرف على النيابة العامة التي تتولى الدعوى العمومية باسم المجتمع وتسهر على تطبيق القوانين الجزائية وملاحقة المذنبين ويقع عليه بذلك واجب مضاعف الأثقال في أمرين:

أولهما: حماية أمن البلاد القومي وأمنها الاقتصادي من الجرائم التي تمسها، ولو وقعت خارج حدود إقليمها، وفقا لقواعد القانون الدولي والاتفاقيات الدولية.

ثانيهما: التعامل مع التدخل الإنساني الدولي سواء من منظمات حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أو لمنظمة العفو الدولية أو التابعة للاتحاد الأوروبي، وقد أصبحت ولاية القضاء الوطني في مواجهة مع هذه المنظمات.

خامساً: استقلال القضاء وحقوق الإنسان

ومن المقرر أن استقلال القضاء من المبادئ الأساسية التي تنهض بمقتضاها منظومة حقوق الإنسان وحرياته في المجتمع، ويستقيم في ظلها نصا وعملا وتطبيقا مبدأ الفصل بين السلطات الوطنية بالدولة الحديثة.

وقد استقر فقه القضاء الدستوري وطنياً ودولياً على مجموعة من المبادئ التي يتعين الالتزام بها ذاتها، وهي ما اصطلح على تسميتها بالمبادئ فوق الدستورية التي كان دستور الكويت الأسبق بعقود من هذا الفقه في تقنينها في المادة 175 من الدستور، التي حصنت مبادئ الحرية والمساواة المنصوص عليها في الدستور من اقتراح تنقيحها.

فوزير العدل مخاطب بكل النصوص الدستورية سالفة الذكر والمواثيق الدولية، وخاصة المعاهدات والاتفاقيات التي انضمت إليها الكويت، وهو مخاطب كذلك بما تنص عليه المادة (163) من الدستور بحماية القضاء من التدخل في سير العدالة، بعيدا عن أشكال التأثير الخارجي التي توهن رجالها، وبغض النظر عن مصدرها أو دوافعها أو أشكالها، ويدخل في ذلك ما تتداوله وسائل الإعلام عن القضايا المطروحة أمام المحاكم أو التي تحقق فيها النيابة العامة.

ومع هذه المهام الكبيرة والمسؤوليات الخطيرة التي يتحملها وزير العدل في الذود عن القضاء ومنع أي تدخل في سير أعماله يصبح اختيار السيد عبدالله الرومي لحمل حقيبة وزير العدل اختياراً صادفه التوفيق من كل جانب ليتفرغ للقضاء في رسالته السامية شامخاً عالياً نأياً عن الجدل السياسي.

وللحديث بقية إن كان في العمر بقية.

المستشار شفيق إمام