تعلمنا في مادة الرياضيات أنه إذا تقاطع مستقيمان فإنهما يتقاطعان في نقطة واحدة فقط، ولأن الرياضيات فلسفة حياة أكثر منها علماً، فهذا القانون الرياضي ينطبق أيضا على مسارات الحياة، ومنها مسارات العمل السياسي سواء إيجابا أو سلبا، والإيجابية هنا تكون في وصول المسارين إلى نقطة اتفاق واحدة تعيش بعدها المسارات المتصالحة في سبات ونبات، والسلبية تكمن في تحول نقطة الالتقاء إلى نقطة تصادم مستمر تخلف وراءها شراراً ترغب به كل نار توتر وتأزيم وتخبط.

من يقرأ جيداً مسارات مجلسنا يعلم أنه كان وما زال في أعيننا قلعة الدستور الأولى بينما هو يعتبرنا ومع الأسف قلعة وادرين التي يرمي بها كل أمل وحلم لنا نحو المجهول! ووفقا لهذا المنطق الرياضي تقع نقاط التقاء مسارات حكومتنا ونوابنا وفق المفهوم السلبي لا الإيجابي، فمسار الحكومة والمعارضة حاليا يمثل نقطة التصادم لا الاتفاق، وهذا واضح من تحركات كلا الطرفين بعيدا عن توابل التصريحات المتبادلة والتغريدات المؤيدة والمعادية، وقصائد العشق والكره لجمهور كرة القدم السياسية.

Ad

ونقطة التصادم هذه ستؤدي إلى حل بلا أدنى شك، ولكن ليس حلنا المنشود طبعاً، الذي نراه انفراجة لقضايا شعبية مثل العفو والوضع الاقتصادي والنظام الانتخابي وقانون المرئي والمسموع وغيرها، لا بل هذه المسارات تبحث حثيثا عن حل من نوع آخر وهو الحل الدستوري، وهذا الأمر واضح ينظر الأعمى لكتاب عدم تعاونه وراء الأفق القريب، ويسمع دوي حدوثه قريبا من به صمم!

كلا المسارين تقاطعا في هذه النقطة، وإن ادعى الطرفان غير ذلك، فالحكومة لم تقرأ رسالة الناخبين جيداً في الانتخابات الأخيرة، وتعاطت معها صورة مستفزة جداً، بالإضافة لفقد سفينة قراراتها بوصلة التواصل، فتاهت دفة أهدافها في محيط حيرة المواطنين وأمواج خيبة أملهم المتلاطمة، وهذا واضح من ردة فعلهم لأي قرار حكومي، وهذا المسار بالتأكيد لا يقود إلى نقطة اتفاق بل منحه رأيا لنقطة الافتراق وبسرعة ٢٠٠ كم/ الساعة، ومسار المعارضة أيضا يتفق مع نقطة الحكومة رغم اختلاف الأهداف، فهو لا يبحث عن حل غير الحل الدستوري، فالأولوية للاستجوابات والتصريحات العنترية والبحث عن إبرة تصادم مع الحكومة في كومة قش أي حدث وقرار، ولا عزاء طبعا لقضايا العفو وغيرها ما دام نوابنا يسعون حثيثا إلى نقطة شرارة مرجوة تعينهم على إشعال نار شعاراتهم الانتخابية ليدفئوا بها طموحاتهم السياسية.

نعم هكذا هي المسارات حالياً، مسار حكومي يسير بدون هدى في ظلام التخبط تقوده قرارات عمياء، ومسار معارضة عطل حل قضايا الشعب التي بيده لا بيد عمرو، وفقد حس العمل السياسي معتمدا على غريزة البقاء في أي معركة انتخابية قادمة، أعيد وأكرر من يقرأ أحداث الشهور الماضية منذ نهاية الانتخابات حتى اليوم يعلم أن مسارات عملنا السياسي قد حملت لقانون التقاطع شروط السلبية كافة، وسيفهم حتما الفرق بين الانشغال بالمعارك الشخصية وخوض المعارك الشعبية، ولن ينكر هذا سوى حالم أسكرته أحلام اليقظة والنوم، وهو مستلق وسط هواه الشخصي أو شخص ضعيف بالرياضيات لن تفيده الأرقام ولا الأفهام بشيء!

أخيراً: نوابنا وحكومتنا لديكم وفق عهود قسمكم واجب دستوري مهم، والحل الدستوري الذي تسعون إليه بكل ما استطعتم ليس الحل الصحيح الذي سيبدد هموم وحزن أهالي وذوي قانون العفو، ولن يروي عطش الناخبين الذين تدافعوا لمقرات الاقتراع في عز هاجرة أزمة جائحة كورونا، ليدفعوا بكم نحو منصة تحقيق أحلامهم وتطلعاتهم، وحل واجبكم الدستوري لم يتوافق مع نقطة الالتقاء الإيجابية في منطق الرياضيات، ولم يتوافق مع معادلة تمثيلكم الدستوري لنا في ميدان التنفيذ والتشريع، فغيروا حلولكم المقدمة لنا حكومة ونوابا إلى الأفضل، ولن تغيروها حتى تغيروا منهجكم السياسي الحالي.

فالح بن حجري