تجاوز اللبنانيون كل أساليب اللعبة التقليدية، التي تحكّمت بهم منذ عام 2005، لكن القوى السياسية، التي سجّلت جميعاً دون استثناء تراجعاً قياسياً، لا تزال تحاول استخدام الألعاب التقليدية للقفز فوق الوقائع الجديدة، وإعادة بناء شرعيتها الشعبية.

الطريق الوحيد إلى ذلك هو عملية الاستنفار السياسي والمذهبي، التي تعيد شد العصب الطائفي. وما حصل في الضاحية الجنوبية لبيروت ليل السبت-الأحد، من خروج متظاهرين باتجاه القصر الجمهوري في بعبدا، ومطالبة رئيس الجمهورية بالاستقالة، كان خطوة في هذا السياق، لما له من أهداف خفية كثيرة؛ فقد سمح الثنائي الشيعي، أي حزب الله وحركة أمل، لجمهوره أن ينفّس احتقانه ويعبر عن غضبه، وأظهر نفسه في خانة المطالبين بتشكيل الحكومة، وأنه لا يتحمل مسؤولية التعطيل.

Ad

في الوقت نفسه يشكل هذا التحرك فرصة لرئيس الجمهورية ميشال عون لإعادة شد عصب جمهوره وبيئته، خاصة أن جميع المسيحيين بمن فيهم خصوم عون سيكونون في حالة استياء من «اجتياح» الدراجات النارية مناطقهم والمطالبة باستقالة رئيس الجمهورية، الرمز الأول للمسيحيين في السلطة.

لا شك أنه بمنظار حزب الله، تعتبر هذه الخطوة ذكية، فهي تعيد اهتمام الناس إلى الملف المعيشي بدلاً من الطروحات السياسية، التي يطرحها البطريرك الراعي، وقد تدفع الأخير إلى أخذ موقف مؤيد لرئيس الجمهورية، الذي سيبحث حينها عن استعادة تعزيز شرعيته.

 تحصل هذه الألعاب التقليدية في وقتٍ تغيَّر المزاج الشعبي بشكل كبير، وخاصة لدى البيئة المسيحية، التي كانت تنضوي تحت ثلاث قوى سياسية أساسية، هي تيار رئيس الجمهورية ميشال عون، أي التيار الوطني الحرّ، وحزب القوات اللبنانية برئاسة سمير جعجع، وحزب الكتائب برئاسة سامي الجميل.

في آخر استطلاع للرأي أجرته مؤسسات إحصائية، أظهر المسيحيون تغيرهم الجذري في خياراتهم السياسية ورهاناتهم. شعبية رئيس الجمهورية وتيارِه في البيئة المسيحية تراجعت إلى 15 في المئة، بعدما كان يدّعي تمثيل 50 في المئة من المسيحيين، بينما حاز «القوات اللبنانية» على 25 في المئة، في حين أن نحو 50 في المئة من المسيحيين يؤيدون مواقف البطريرك الماروني بشارة الراعي، التي تدعو إلى الحياد الإيجابي.

 وصل رئيس الجمهورية ميشال عون، وصهره جبران باسيل، إلى أضعف مراحلهما السياسية والشعبية، ووجدا نفسيهما مطوقين بكم هائل من الأزمات السياسية والشعبية والاقتصادية، ففي عهد عون يعيش لبنان عزلة عن محيطه العربي والدولي، ويفقد كل ميزاته. واقع الانهيار، تلقّفه البطريرك الماروني بشارة الراعي، الذي لا يريد للفراغ أن يتسلل، ولا يريد غياب الدور التاريخي، الذي تتمتع به البطريركية المارونية، فأطلق صرخته التي لاقت صدى شعبياً واسعاً مسيحياً وإسلامياً. ووجدت قوى سياسية مسيحية كثيرة معارضة لعون نفسها منضويةً خلف البطريرك، وخصوصاً «القوات اللبنانية» وحزب الكتائب.

تجري هذه الأحداث على وقع تظاهرات يومية تشهدها المناطق اللبنانية كافة، وللساحة المسيحية نصيب من التحركات والاحتجاجات، في تعبير واضح عن حجم الانقسام وحالة الضعف، التي يعانيها رئيس الجمهورية في هذه البيئة والمجتمع، والذي كان يدعي أنه يعمل لحمايته وتعزيز موقعه ومكتسباته.

القوى السياسية المعارضة لعون تسعى إلى محاصرته أكثر داخل الشارع المسيحي، ومن خلال الوقوف خلف مواقف البطريرك الماروني، تلقى هذه المواقف أصداء كثيرة داخلياً وخارجياً، بينما يسعى عون، الذي يجد نفسه محرجاً في مواجهة البطريركية، إلى تخفيف حدة التوتر بين بكركي وحزب الله.

وبحسب ما تؤكد المعلومات لـ«الجريدة»، فإن عون أجرى اتصالات كثيرة مع الحزب، وكذلك فعل صهره جبران باسيل، لإعادة إحياء التواصل بين حارة حريك وبكركي، لأن عون لا يريد مراكمة المزيد من الخسائر، في حين أنه غير قادر على مواجهة بكركي، وحريص على علاقته بحزب الله.

وبعد مساع كثيرة، ستعقد جلسة حوارية بين لجنة تضم ممثلين عن حزب الله ومقربين من البطريرك لتهدئة التوتر، لكن مصادر البطريركية المارونية تؤكد، لـ«الجريدة»، أن مواقف البطريرك ستستمر على حالها، ولن يتراجع، فهو يتحدث انطلاقاً من مبدأ الحفاظ على لبنان الدولة، وعدم ذوبانه في سياسة الدويلة، مضيفة أن البطريرك منفتح على الحوار مع حزب الله، بشرط أن يعود الحزب إلى لبنان، بشروط الدولة اللبنانية، لا أن يفرض عليها شروطه ومشاريعه السياسية.

لن يغير الاجتماع من مواقف البطريرك، الذي يعمل، بحسب المصادر، على إعداد ورقة سياسية تفصيلية يتم تسليمها إلى المجتمع الدولي لرعاية وضع لبنان. وتؤكد المصادر أن الراعي في تحركه مدعوم من الفاتيكان، ومن جهات دولية وعربية متعددة.

 كذلك تؤكد مصادر في حزب القوات اللبنانية، لـ«الجريدة»، أن البطريرك يعبر في مواقفه عن وجدان المسيحيين، الذين يرفضون أن يكونوا ملحقين في مشاريع سياسية وإقليمية، رفضهم هذا هو الذي دفعهم إلى الانفضاض من حول عون، واكتشاف زيف ادعاءاته. وتعتبر مصادر القوات أنه لا خلاص للبنان إلا باستقالة الطبقة الحاكمة كلها، وبفرط عقد التحالف بين التيار الوطني الحرّ وحزب الله، وصولاً إلى استقالة رئيس الجمهورية، ومن ثم عقد مؤتمر دولي للبنان لوضع أسس سياسية جديدة يستعيد من خلالها دوره وبريقه.

الساحة اللبنانية مرشحة للتعرض لمزيد من الأعاصير، وستتلاطم عليها أمواج عاتية كثيرة. التحركات في الشارع إلى تزايد، على وقع الانهيار الاقتصادي والمالي، بينما الاستعصاء السياسي مستمر، ولا بوادر لحلّ الأزمة الحكومية في ظل الشروط، التي تفرضها القوى السياسية على تنوعاتها، مما يعني مراكمة المزيد من الخسائر في صفوف القوى السياسية، وأكثر المتضررين هو رئيس الجمهورية ميشال عون وصهره، الذي يبحث عن أي فرصة لإعادة تعويم نفسه.

بيروت- منير الربيع