في ظل العجوزات التاريخية التي تسجلها ميزانية الدولة، من الواضح أن السياسات الاقتصادية الحالية غير مستدامة، ليس فقط على المدى الطويل، ولكن حتى على المدى القصير، بإجماع المؤسسات العالمية وبيوت الخبرة والمختصين المحليين والدوليين. وتقارير صندوق النقد الدولي والبنك الدولي كانت دائماً تؤكد أهمية الإصلاحات، حتى قبل الصدمة المزدوجة من ظهور فيروس كورونا وهبوط أسعار النفط.

ففي الوقت الذي كنا نرى فيه بعض الدول المجاورة بالفعل قللت مصروفاتها وبدأت بتنويع مصادر دخلها، نرى لدينا صمتاً وعجزاً حكومياً غريباً لا يوجد له تفسير، مما دفع مؤسسات التصنيف الائتماني لخفض التصنيف السيادي الائتماني لدولة الكويت وبنوكها، مع نظرة مستقبلية سلبية، ويمكن الرجوع لرؤية اقتصادية بعنوان "قبل فوات الأوان"، والتي شاركت بها من ضمن مجموعة تضم 29 أكاديمياً من كلية العلوم الإدارية في جامعة الكويت، تناقش هذه الرؤية الاختلالات في الاقتصاد الوطني، وتبيّن عدم استدامة الوضع الراهن دون تضحيات يقدمها الجيل الحالي، واضعةً حلولاً وسياسات لتصحيح المسار، فنحن نقف أمام منعطف تاريخي يمثل جرس إنذار أخير، قد يكون فرصة مناسبة لمراجعة هوية الدولة الاقتصادية، فنحن نعاني مشكلة في مفهوم الدولة ودور المواطن، أعتقد أننا بحاجة إلى العودة والبدء في طرح الأسئلة الأساسية: ما هي أدوار ومسؤوليات الحكومة والشعب؟ وما دور القطاع العام مقابل الخاص؟ وكيف يمكنهما العمل معاً لصياغة هوية اقتصادية جديدة؟

Ad

ثم التعاون والحوار لخلق هوية اقتصادية جديدة للمستقبل، تتوافق مع ثقافتنا الفريدة، مع مؤشرات الأداء الرئيسية الحقيقية والعديد من التضحيات، فلا إصلاح حقيقياً من غير تضحية من الجميع.

صحيح أننا في منتصف أزمة صحية، لكن الأزمات قد تكون فرصة للتغييرات الجذرية نحو نموذج أو سياسات اقتصادية مستدامة، وقد تجبر الحكومات على تغيير الأنظمة والقوانين نحو الأفضل بشكل أسرع، أو الانهيار التام، فالكساد العظيم في 1929 قاد إلى العهد الجديد في أميركا بقيادة الرئيس روزفلت، ونهاية الحرب العالمية الثانية كانت بداية دول الرفاه في أوروبا، والتضخم والبطالة في السبعينيات قاد ريغان وتاتشر لتغيير وجهة العالم الاقتصادي عبر الأسواق الحرة، فقد تكون الأزمة الحالية فرصة تاريخية أمام قادة الجيل الحالي لبناء هوية اقتصادية جديدة للكويت، وحفظ حقوق الأجيال القادمة.

لا يوجد طريق أوحد للإصلاح، فمجال العمل والتخطيط مفتوح للجميع، يمكن النمو من خلال الاعتماد على دور أقوى للحكومة كما هو الحال في سنغافورة، أو الاعتماد بشكل كبير على القطاع الخاص كما هو الحال في هونغ كونغ، فالنمو الاقتصادي المستدام يتطلب تخطيطاً طويل الأمد وعملاً جاداً من الحكومة كما ذكر الاقتصادي الشهير جون ماينارد كينيز، لكن لا قيمة للخطط وهي حبر على ورق، فمنذ سنة 2003 والحكومة تهدف إلى تحويل الكويت إلى مركز مالي وتجاري، ثم تقرير توني بلير إلى وثيقة الإصلاح والبديل الاستراتيجي، ثم وثيقة الإصلاحات المالية التي أصبح اسمها البرنامج الوطني للاستدامة، إلى رؤية الكويت 2035، ومجموعة كبيرة من المشاريع والرؤى التي لم تر النور، وتحولت إلى بيع الأوهام والأحلام، وإبر بنج لشراء الوقت من غير أي أفعال أو إصلاح حقيقي.

لذلك يجب عدم محاولة إصلاح أخطاء الماضي فقط، بل أيضاً التفكير والعمل من أجل مستقبل الأجيال القادمة، وبالتأكيد وقف كل التبذير، وفتح جميع ملفات الفساد، ومحاسبة جميع الفاسدين في جميع القضايا، ولا محاسبة حقيقية من غير شفافية معلومات، لأنه يصعب كسب ثقة الشعب بغياب الشفافية، فيجب أن تكون الشفافية شعار المرحلة، خصوصاً في الوضع المالي والاقتصادي للدولة.

ويجمع المختصون على أننا بحاجة إلى بيانات لاتخاذ قرارات اقتصادية وفق أدلة علمية، فهناك شح في البيانات، والمتوافر منها لا يعكس الواقع وغير موثوق به، بالإضافة إلى أن الأزمة خلقت فرصة حقيقية لإعادة هيكلة الميزانية وبناء قطاع خاص منتج، وعليه يجب أن يكون هناك دعم استراتيجي للقطاعات ذات القيمة المضافة، التي توفر فرص عمل للكويتيين أو تنمي الاقتصاد المحلي، وتحسين نظام التعليم وتوجيهه نحو المستقبل والاستثمار في رأس المال البشري، وعملية إصلاح اقتصادي حقيقي تشمل إصلاح مشكلة سوق العمل، والتركيبة السكانية، وتنويع الميزانية والاقتصاد ومصادر الدخل، وإعادة تعريف نظام الدعم، وتصميم وتنفيذ مشاريع الأمن الغذائي، ومراجعة وتصميم استراتيجيات جديدة للاستثمارات الحكومية، وسياسات الإنفاق والأراضي والممتلكات المملوكة للدولة، وخلق حوافز لمن يريد أخذ المخاطر وريادة الأعمال.

كما يجب تقييم تجربة جميع مؤسسات وجهات الدولة بشكل محايد، وتطويرها أو دمج اختصاصاتها، أو حتى إلغاؤها بما يحقق رؤية الدولة الاقتصادية، فضلاً عن وقف أي تداخل مؤسسي، والاستفادة من جميع الموارد بكفاءة، ثم تقليص حجم الحكومة بشكل عام.

بالإضافة إلى بناء سياسة استثمارية نشطة للمستقبل، لنستعيد الريادة، فالهيئة العامة للاستثمار أقدم صندوق سيادي في العالم، وبورصة الكويت من الأوائل في المنطقة، لكنهما فقدتا الصدارة والريادة، وبحاجة إلى مزيد من الشفافية والإدارة النشطة، والاستثمار في تطوير رأس المال البشري والكفاءات، لنستعيد الريادة، فأصبح من غير المعروف الدور الرئيسي للصناديق السيادية، حتى عند الخبراء والاقتصاديين المختصين، فالمطلوب اليوم تحديد أهداف الصناديق السيادية الرئيسية وأولوياتها وحوكمتها لتواجه أزمات المستقبل، فهل المطلوب منها خدمة الميزانية عند الحاجة أو المحافظة على التصنيف الائتماني أو الحفاظ على مستقبل الأجيال القادمة؟

وأتمنى ألا نفقد المزيد إذا استمررنا بمقولات مثل "الله لا يغير علينا" و"جيب المواطن لن يمس"، فلا إصلاح حقيقياً من غير تضحية من الجميع، تبدأ بأصحاب القرار والتاجر والغني والمتنفذ، وتنتهي عند المواطن البسيط، ولنتذكر قول المولي عز وجل: "إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ" (الرعد:11)

عسى ربي يغير علينا للأفضل، ويديم علينا نعمة كويت الرخاء والطيب لأجيالنا القادمة.

قسم التمويل في كلية العلوم الإدارية - جامعة الكويت

د. سعود أسعد الثاقب