تعاني الكويت، وتحديداً في السنوات الأخيرة، مشكلة إدارية-سياسية تطغى آثارها السلبية على مختلف القطاعات، لاسيما الاقتصادية والمالية.

وتتمثل هذه المشكلة بفقدان القدرة على المبادرة وتقديم حلول عملية لمشكلات قديمة أو حتى تطبيق بعض الحلول المتاحة، مما يجعل هذه المشكلات تتضخم وتتحول إلى اختلالات هيكلية في عمق الاقتصاد، مثلاً، كما يحدث مع اختلالات اليوم في تركز سوق العمل بالقطاع العام، أو ارتفاع نسبة الوافدين مقابل المواطنين بالتركيبة السكانية، فضلاً عن شح الإيرادات غير النفطية من إجمالي الإيرادات العامة، وهي تحديات جوهرية قابلتها الحكومة عندما تعاظم أثرها على الميزانية العامة للدولة بحلول وقتية، كالسحب من احتياطي الأجيال، أو الاقتراض عبر الدين العام، وهي، في أفضل الأحوال، لا تغطي أبعد من المدى المتوسط المقدر بـ 3 إلى 5 سنوات مقبلة، دون معالجة أصل الخلل المتمثل بالارتفاع القياسي والمتواصل في المصروفات العامة سنوياً مما يترتب عليهما من مختلف الاختلالات.

Ad

ولعل جانباً كبيراً من علة فقدان المبادرة في الكويت لا يرتبط فقط بالعجز عن تقديم رؤى للمستقبل أو مشاريع التنمية، بل حتى في مواجهة أخطار جوهرية حالية تهدد الأمن الاقتصادي والاجتماعي بصورة مباشرة.

فتراجع القدرة على المبادرة تمثل خلال 6 سنوات سابقة، أي تقريباً منذ نهاية عام 2014، عندما انحدرت أسعار النفط عالمياً، وتحولت ميزانية البلاد من الفائض إلى العجز، في عجز الحكومات المتعاقبة عن تقديم مشروع واضح للإصلاح الاقتصادي، فقدمت بدلاً منه مشاريع غير عملية كوثيقة الإصلاح عام 2016، ووثيقة استدامة عام 2018، ولم تستطع أن تنفذ منهما أي بند، في حين اتجهت في الواقع العملي نحو صندوق الاحتياطي العام لتستنفد خلال 6 سنوات سيولته البالغة نحو 55 مليار دينار في إنفاق معظمه جارٍ لا يعطي أي عوائد اقتصادية وتنموية، ثم تعود لتقدم مشروعين يرفعان من درجة مخاطر المستقبل؛ الأول الاقتراض عبر الدين العام، والثاني السحب من احتياطي الأجيال القادمة، وكلا المشروعين لا يمكن حتى مناقشتهما مع إدارة غير واعية بحتمية الإصلاح الاقتصادي.

إخفاقات

بل إن ضعف القدرة على المبادرة ترتب عليه تبلد غريب في التعامل مع الإخفاقات المستمرة في المشاريع والخطط التي تتولاها الدولة، من حيث، مثلاً، فشل المشروع الوحيد لرفع الاعتماد على الطاقة المتجددة مقابل الطاقة التقليدية، خصوصاً بعد إلغاء مشروع الدبدبة للطاقة الشمسية، إذ تبلغ حصة الطاقة المتجددة في الكويت حالياً 0.5% مقارنة بهدف الدولة، الذي يبدو بعيد المنال، بلوغها 15% من إجمالي الطاقة المستخدمة في الكويت عام 2030، فضلاً عن إخفاقات متواصلة لهيئات تأسست بهدف تنويع الاقتصاد، خصوصاً في قطاعي سوق العمل وتنمية القطاع الخاص، كصندوق المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وهيئة تشجيع الاستثمار الأجنبي، وهيئة الشراكة بين القطاعين العام والخاص، بل إن حتى مشروع دولة بحجم "الحرير والجزر" طواه النسيان بخروج صاحب فكرته من الحكومة الشيخ ناصر الصباح ثم وفاته لاحقاً، مما يعزز فكرة أن مشاريع الدولة مهما كانت قيمتها بالمليارات هي في الأصل مرتبطة بأشخاص لا بنهج.

تهاون

ولم يقتصر التبلد في التعامل مع الملفات الشائكة على الإخفاقات فقط، بل في التهاون مع ملفات فساد يمكن أن تؤثر سلباً على سمعة الكويت المالية، كالصندوق الماليزي، وتضخم الحسابات المصرفية من السياسيين وصولاً إلى مشاهير السوشال ميديا، وشبكات متنوعة لغسل الأموال يقابلها تباطؤ حكومي في ما سبق أن أعلنت عنه وزارة المالية في يوليو 2020 بشأن تشكيل لجنة لدراسة تعديل قانون غسل الأموال بشأن وحدة التحريات المالية، بحيث يتم تطوير قانونها ليوائم المتغيرات في عالم الجرائم المالية، وهو تباطؤ في قضية شائكة يعكس جانباً من التهاون في تعديل قانون قد تؤدي ثغراته إلى اتهام الكويت بعمليات غسل للأموال، أو تمويل للإرهاب بكل تبعاته السياسية والاقتصادية.

نفضة

ليس من السر القول إن الكويت بحاجة إلى "نفضة" تستهدف من جانب تطوير الإدارة العامة والمؤسسات وتطوير آليات اختيار الوزراء والقياديين في الدولة، بعيداً عن المحاصصة أو تغليب معايير الولاء على الكفاءة، وتطوير العمل السياسي في الكويت عبر إشهار الأحزاب ذات البرامج والمشاريع، وتمكينها من المشاركة في مجلس الوزراء وصولاً إلى إدارته مع تطور آليات العمل الديمقراطي في البلاد، ومن جانب آخر إطلاق مشروع اقتصادي تنموي يعالج اختلالات الاقتصاد على المديين القصير والطويل، بهدف زيادة نسبة الإيرادات غير النفطية من مجمل الإيرادات، وتوفير فرص عمل للشباب الكويتيين خارج منظومة القطاع العام، وخلق فرص استثمارية، وتعديل التركيبة السكانية بما يناسب احتياجات الاقتصاد والمجتمع، ورفع نسبة القطاع الخاص في الناتج المحلي، وجذب الأموال الأجنبية إلى الكويت وتحفيز نظيرتها المحلية، فضلاً عن تقليص المصروفات بالتزامن مع رفع كفاءتها لتكون أبعاد إنفاقها ذات ديمومة اقتصادية.

اعتراف مهم

وحتى لا يكون ما سبق مجرد أحلام وردية لا تجد طريقاً إلى التنفيذ فإنه من المهم الاعتراف بأن عقليات مجالس الوزراء المتعاقبة، على الأقل منذ بداية الألفية الحالية والتي تزامنت مع فرصة تاريخية غير مسبوقة من الفوائض المالية، غير مؤهلة لإحداث أي تغيير جذري في أوجه الإدارة الاقتصادية، أو تحسين مستويات الإدارة العامة، إضافة إلى التعامل مع التحديات المالية والاقتصادية التي تواجهنا، وبالتالي نحتاج أولاً إلى الاعتراف بأن علة الاقتصاد ومعه مختلف أوجه الحياة العامة في الكويت يتركز بشكل كبير في سوء الإدارة.