غياب الكاتب سليم سالم أعاد شريطا من الذكريات سجله لي عندما التقيت به صيف عام 2009 في منزله بقرية «سيد يشوع».

كان من الرعيل الأول الذي عمل في الصحافة الكويتية منذ الاستقلال، حيث كانت البدايات في «حماة الوطن» عام 1962، وجاء الكويت بعد أن كانت صلته بها من بعيد، حيث عمل مراسلا لمجلة «حماة الوطن»، التي كانت تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في الجيش.

Ad

العمل مع «أخبار الكويت»، حينها كانت هناك ثلاث صحف حسب الامتياز الممنوح لها، إما أسبوعية أو تصدر مرتين في الأسبوع، وهي «أخبار الكويت» و«صوت الخليج» و«الرأي العام».

والتحق سليم سالم في البداية بجريدة «أخبار الكويت» لأكثر من شهرين، بعدها «الرأي العام»، وكانت الصحيفة تطبع في بيروت، ويحمل مدير تحريرها عبدالله شعيتو المواد ويركب الطائرة ويعود «برزم» الجريدة مطبوعة، وكانت مرة في الأسبوع بعدها أصبحت مرتين.

المطابع في الشويخ

واستكملت الدار مطابعها في منطقة تكاد تكون «صحراوية» في الشويخ، ثم توسعت الصحيفة وباتت محط أنظار الصحافيين الكويتيين والعرب داخل الكويت وخارجها، خاصة بعد صدور صحيفة يومية باللغة الإنكليزية تحمل اسم «ديلي نيوز»، ومجلة أسبوعية باسم «النهضة»، إضافة إلى مجلة للأطفال باسم «سعد».

صحيفة إنكليزية

في مرحلة الإعداد لصدور «ديلي نيوز»، انضم شوقي صويا، فتولى شؤون الإدارة مدة طويلة، وشاب أرمني من لبنان اسمه خاتشو خشادوريان تولى مسؤولية مدير التحرير لفترة قصيرة نسبيا، ولما ترك العمل حل محله زميل آخر هو زهير شبل من فلسطين، ثم الزميل أنطوان يونس من لبنان، ولما توفي الأخير أسندت المسؤولية إلى الناشر الفلسطيني فوزي قبلاوي، لكنه لم يستمر طويلا فترك العمل بعد خلاف مع عميد الدار، ومن الذين عملوا في «الرأي العام» الزميل فضل سالم، وهو شقيق سليم، وزميل فلسطيني يدعى سهيل الشنطي تولى فيما بعد مسؤولية تحرير مجلة «اليقظة»، وكان سليم سالم يسهم في كتابة بعض موضوعاتها.

عصر الازدهار

في عقدي الستينيات والسبعينيات صدرت عدة امتيازات لصحف جديدة، منها «الوطن» و«القبس»، إضافة إلى صحيفة أسبوعية هي «الطليعة»، وجريدة باللغة الإنكليزية «كويت نيوز» لصاحبها ورئيس تحريرها يوسف العليان، بعد أن ترك قبلاوي العمل في الجريدة الإنكليزية «ديلي نيوز» تعرف إلى إبراهيم عليان وعدد من المحررين الهنود، وكذلك الافتتاحية من العربية إلى الإنكليزية بلغة راقية جدا، وممن أتحفوا «ديلي نيوز» بمقالات ودراسات عالية المستوى المهندس الدكتور في وزارة الأشغال سابا شبر من فلسطين.

وانضم إلى «الرأي العام» مجموعة من أبناء الكويت للتدريب على العمل الصحافي، وبتشجيع من عميد الدار الذي ارتأى وجوب إعدادهم لتولي المسؤوليات في المستقبل.

«الوطن»... الأكثر حرارة

في حمأة هذه الاندفاعة، كما يروي سليم سالم، شهدت الصحافة الكويتية انتقال محررين وصحافيين من جريدة إلى أخرى، اما بسبب التشويق والإغراءات المالية أو بسبب الطموح في أن يجد الواحد منهم فرصا أفضل ومنصبا يسجل له في سجل الخبرة والممارسة فيما بعد، وفي بعض الحالات كان الخلاف مع صاحب المؤسسة يصل إلى أن يترك الموظف عمله وينتقل إلى مؤسسة أخرى.

ومما لا شك فيه أن جريدة «الوطن» بعد أن انتقلت ملكيتها إلى داود مساعد الصالح وأخيه محمد مساعد الصالح، كانت الأولى التي فتحت بابا على مصراعيه أمام أقلام وكتاب وباحثين كويتيين وأساتذة جامعات، كان الأهم والأكثر حرارة في استقبال الأقلام الكويتية، صحيح أنها كانت أقلام كتاب وباحثين أكاديميين، إلا أنها كانت الأسرع في تمهيد الطريق وتعبيدها أمام الآخرين الذين نسميهم في لغة الصحافة «جماعة المطبخ»، حيث يتم إعداد الجريدة فكرا ومعلومات ليكون إخراجها في أحلى وأبهى صورة.

ومن أجل انطلاق مجلة «النهضة» الأسبوعية، الصادرة عن دار الرأي العام، تم التعاقد مع عدد من الصحافيين اللبنانيين، كان له شرف العمل معهم، ومنهم طلال سلمان ناشر ورئيس تحرير السفير وقاسم أفيوني والسيدة «ام الخير» جلو دلال وجورج شامي وسمير عطاالله.

وبعد سنوات أسندت مسؤولية تحرير «النهضة» إلى الأديب الساخر عبدالله الشيتي من فلسطين، وعمل في الدار أيضا الباحث رمضان لاوند من لبنان، وخالد قطمة وظافر قطمة من سورية، وفي مرحلة لاحقة انضم الكاتب والأديب السوري إلياس مسوح، الذي تولى مسؤولية مدير تحرير «الرأي العام»، فكان قلمه واضحا في الافتتاحيات والمقالات الرئيسية في الجريدة وفي حسن وتنسيق إدارة التحرير.

انطلاقة «القبس» وبعدها «الأنباء»

ومع انطلاق جريدة «القبس» تولى مسؤولية التحرير فيها الصحافي المعروف رؤوف شحوري، ومسؤولية الإدارة ذو الفقار قبيسي، الذي نجح في تجنيد عدد كبير من الصحافيين العرب من لبنان وفلسطين والأردن، ومثل هذا حدث في جريدة «الأنباء» التي استعانت أسوة بغيرها بعدد من الصحافيين اللبنانيين والسوريين، وأعدت برنامجا لتدريب وتهيئة صحافيين كويتيين، وكانت «السياسة» قد سبقتها في مضمار تدريب مواطنين كويتيين على العمل الصحافي، وفتحت صفحاتها لنتاجهم وثمرة جهودهم، ومنهم الزملاء عبداللطيف الدعيج وحسين العتيبي وسليمان الفهد ومحمد زين العيدروسي وناجي العلي فيما بعد.

أشهر برنامج إذاعي

اشتهر سليم سالم بإعداد البرنامج الإذاعي «وعند جهينة الخبر اليقين»، الذي تم ترشيحه إلى موسوعة «غينيس بوك»، واستمر يعده منذ عام 1973 على مدى 47 سنة من عمره، حتى بعد مغادرته الكويت واستقراره في لبنان.

والتحق بالإذاعة عام 1963، إضافة إلى عمله كصحافي بالرأي العام، وكتابة مقالة يومية «حول العالم»، وامتلك مكتبة ضخمة وغنية احتوت على 63 الف عنوان إضافة إلى مكتبة موسيقية قال إنه سيهبها إلى «بلدية مزرعة يشوع»، وقبل سنوات أصدر كتابا عن الصراع في الحزب السوري القومي الاجتماعي بعنوان «حان الوقت»، وقام بترجمة عدة كتب من الإنكليزية والألمانية إلى العربية.

وقبل مجيئه إلى الكويت دخل عالم الصحافة عن طريق العمل في جريدة «صدى لبنان»، لصاحبها النقيب محمد بعلبكي، بعدها ذهب إلى جريدة «الزمان» لمالكيها روبير أبيلا وجورج سعادة، وتوزعت دراسته الجامعية بين الكيمياء وعلم النفس، وكان يجيد اللغتين الإنكليزية والألمانية بإتقان.

حمزة عليان