لا يخفي على الجميع أن الهيكلة المالية لدولة الكويت تمر بمفترق طرق، إذ أعلنت وزارة المالية أن العجز المتوقع للسنة المالية 2021 - 2022 يعادل 12 مليار دينار تقريباً، وهو عجز تاريخي لم يسبق له مثيل، وللأسف تأخرت الحكومات المتعاقبة كثيراً منذ بداية سلسلة العجوزات في سنة 2015 إلى اليوم، فلم تقم بأي إصلاحات حقيقية، إلى جانب أن سوء إدارتها للأموال التي كانت متوافرة في الاحتياطي العام للدولة فاقم المشكلة، فقادت الإدارة الفاشلة والعاجزة عن اتخاذ قرارات لتبخر نحو 50 مليار دينار من الاحتياطي العام خلال 6 سنوات فقط.

قبل التفصيل، يجب الإقرار بأن الاقتصاد الكويت نموذج فريد لا يوجد له تعريف، ولا يتبع مدرسة اقتصادية حقيقة، سواء رأسمالية أو اشتراكية، فلا توجد دولة في العالم اقتصادها معتمد على مصدر أحادي للدخل، يشكل النفط فيه 90% من صادراته وإيراداته، وأكثر من 70% من الميزانية مصروفات غير مرنة، على باب الرواتب والدعوم، وتمتلك الدولة فيه جميع الثروات الطبيعة، و95% من الأراضي، وحجم الحكومة الأكبر نسبة لعدد السكان، الدولة تبيع البانزين والخبز ومسؤولة عن جميع تقديم الخدمات وتوظف نحو 84% من المواطنين، وحتى العاملين في القطاع الخاص معتمدين اعتمادا كليا على المناقصات الحكومية، إضافة إلى دعم العمالة الوطنية في القطاع الخاص، ومع ذلك لا تشكل العمالة الوطنية أكثر من 4% من حجم العمالة في القطاع الخاص، فضلاً عن مجانية الصحة والتعليم، وإلزامية التوظيف، خصوصاً في ظل غياب العدالة الاجتماعية، فالشركات والتجار غير ملزمين بدفع ضرائب، والدولة تدعم تجار العقارات بالكهرباء والماء أكثر من المواطن الفقير، والأعجب أن الدولة ما زالت المالك الأكبر بلا منافس في سوق الأوراق المالية عبر جهات الاستثمار المختلفة.

Ad

يجب أن يعي الجميع أننا أمام اقتصاد مشوه، وميزانية وضعها أصعب من السابق وجميع الخيارات المطروحة خيارات صعبة، وللأسف الشديد أحد الخيارات المطروحة على الساحة اليوم هو خيار فتح صندوق الأجيال القادمة، ولكن هذا يعني نهاية الحلول وعجز الحكومة عن إدارة الملف الاقتصادي وقصر نظرها، وعملية انتحار بطيء، ونهاية مصطلح الأجيال القادم وتحول الجيل الحالي للجيل الأخير.

فصندوق الأجيال القادمة هو صمام الأمان للكويت، وهو الذي ساعد، بعد فضل الله، الدولة على تسيير كل أمورها ودعم موقفها وحماية الشعب الكويتي أثناء الغزو العراقي الغاشم، وهي المرة الوحيدة التي تم فتح الصندوق فيها، والصندوق هو الذي سيحفظ مستقبل أبنائنا وأحفادنا ويضمن لهم حياة كريمة، ومن غير المعقول المساس به من غير القيام بخطوات إصلاح في الميزانية وإعادة هيكلة اقتصاد الدولة، ويجب ألا نفكر بالسماح بفتحه في غياب خطة إصلاحية واضحة وإدارة حكيمة حصيفة، فبدون ذلك سيتم هدر ما فيه على مصروفات جارية، وتغطية عجوزات، وسيتم تكرار نفس الخطأ الذي وقعت فيه الكويت بعدم استغلال صندوق الاحتياطي العام بالشكل الصحيح كما حصل في السنوات القليلة الماضية.

ورغم أن الاستدانة خيار صعب قد تكون أفضل الخيارات الصعبة المطروحة أمام الدولة لمشكلة السيولة التي تواجهنا، إذ إن أغلبية الدول حول العالم تستدين بشكل شبه سنوي بما فيها الدول المتقدمة مثل أميركا، وفرنسا، وألمانيا، وبريطانيا، ولكن المشكلة الرئيسية تكمن في كيفية إدارة الأموال التي ستقترضها الحكومة الكويتية، فالمطلوب استخدام الأموال بشكل حكيم وباتجاه صرف رأس مالي ذي عوائد مباشرة أو غير مباشرة على البلاد، والأهم من ذلك، الاستدانة هي حل مؤقت لمشكلة السيولة لا أكثر وهي مجرد تأجيل للمشكلة الاقتصادية الحقيقية التي نواجهها اليوم، فتخوف الناس من قانون الدين العام طبيعي جدا خصوصا في ظل غياب خطة إصلاحية واضحة للميزانية والاقتصاد، والخيارات المطروحة أمامنا اليوم هي خيارات صعبة، فإذا تم استخدامها لسد المصاريف الجارية فقط كما حدث في السنوات الماضية، فسنعود إلى نقطة البداية من جديد ونعيش في دوامة القروض للأبد، فلا استدانة من غير ضوابط وأهداف محددة وواضحة لإصلاح السياسة المالية للدولة.

ونختم بمقولة ألبرت أينشتاين:

لا يمكن حل المشاكل الضخمة بنفس العقول التي أوجدتها فالجنون هو أن تكرر الفعل مرة بعد أخرى وتتوقع نتائج مختلفة.

* قسم التمويل في كلية العلوم الإدارية -جامعة الكويت

د. سعود أسعد الثاقب