"دافنينو سوا" مثل مصري يُضرب عندما يشترك أكثر من طرف في جريمة معينة، ثم يتبرأ أحد الأطراف منها فيرد عليه الطرف الآخر: "احنا دافنينو سوا".

وبالأمس تذكرت هذا المثل وأنا أطالع ردود فعل بعض النواب الحاليين والسابقين وبعض الشعبويين على تصريح وزير المالية عن العجز الحالي للميزانية، والذي توقع فيه أن يصل العجز التراكمي للميزانية إلى 55 مليار بعد خمس سنوات، حيث هاجموا وألقوا اللوم على الحكومة وحدها التي أوصلت البلد إلى هذه الحال.

Ad

ولا شك أن الحكومة هي المسؤول الأول حسب نص الدستور الذي جعلها هي المهيمن على مصالح الدولة مادة (123)، وبالتأكيد كان لبعض الحكومات السابقة أخطاء كارثية على الميزانية، ولكنها ليست وحدها هي المسؤولة، لأن كثيراً من المصروفات الكبيرة كانت تقر بقوانين أو بضغوط من أعضاء مجلس الأمة أيضاً.

وليس المقصود هنا المصروفات الضرورية مثل تكاليف التحرير والإعاشة والحرب ومصالح المواطنين إنما المقصود هو المصروفات الهائلة غير الضرورية التي توسعت فيها الحكومة وطالب بها كثير من أعضاء المجلس خلال السنوات الماضية.

الكوادر الكبيرة على سبيل المثال التي لم يكن فيها عدالة بين المواطنين أُقر بعضها من الحكومة وبعضها من المجلس، وكذلك كان إنشاء بعض الهيئات المستقلة والملحقة المكلفة من غير داع كان بقرارات حكومية وأحياناً بقوانين من المجلس، وكذلك بعض القوانين الخاصة بالتأمينات لتخفيض سن التقاعد ولصرف معاشات اعتبارية أو ميزات تقاعدية لبعض الفئات من المجتمع، وكذلك قوانين القروض التي زايدت على قانون المتعثرين والتي استفاد منها عملاء البنوك الربوية ولم يستفد منها عملاء البنوك الإسلامية وغيرها، فقد كان كثير من النواب السابقين يتنافسون في تقديم هذه القوانين بحجة إسعاد ورفاهية المواطن، وتبين الآن أنها لم تحقق هذا المطلوب ولكنها ظلمت أبناء المستقبل ورفاهيتهم.

هل نسينا كيف كان بعض الأعضاء ينكرون العجز لتمرير قوانين الصرف، ويقولون عندنا ملاءة مالية ويقصدون بذلك احتياطي الأجيال الذي يرفض كثير من الأعضاء السحب منه اليوم؟! ألم يتصدّ كثير من الأعضاء إلى كل محاولة للإصلاح الاقتصادي، رغم أن المجلس كان بإمكانه إقرار ما ينفع البلد منها ويؤدي إلى إصلاح الميزانية مع رفض ما يمس المواطن البسيط؟ ألم يهمل المجلس الماضي مشروع قانون البديل الاستراتيجي رغم تقديمه من أول جلسة له؟ ألم تشترك الحكومة وبعض الأعضاء فيما عرف بالعلاج السياحي الذي كلف أكثر من مليار دينار في فترة وجيزة؟

ألم يقر كثير من الأعضاء مشاريع قوانين التسليح بالمليارات التي يثار عليها كثير من اللغط هذه الأيام؟ أليس من المستغرب أن يستمر كثير من الأعضاء اليوم بتقديم سيل الاقتراحات المالية التي تكلف المليارات حتى بعدما تبين أثرها في زيادة الاختلالات الهيكلية في الميزانية وعدم قدرة الدولة على الوفاء بها في المستقبل؟ كل هذا يجب أن نذكّر به الأعضاء اليوم بالإضافة طبعاً إلى جرائم الفساد التي لم يتم التصدي الكافي لها.

كان على المجلس أن يبذل أقصى الجهد البرلماني من أجل زيادة وتنويع الإيرادات (كما فعلنا نحن بتوفيق الله)، وكان عليه أن يرفض ويوقف تصرفات الحكومة وبعض اقتراحات الأعضاء التي أوصلت مصروفات الميزانية إلى هذا الحد، ولكن للأسف كل من تجرأ من الأعضاء على ذلك كان يهاجم من قبل زملائه النواب ولا يؤخذ برأيه، ويستمر الكثير منهم في تقديم القوانين المالية المكلفة التي ارتفعت بمصروفات الميزانية (مع قرارات الحكومة) من 4 مليارات عام 2000 إلى 23 مليار دينار كويتي الآن.

واليوم صدقت رؤية الذين حذروا من هذا الوضع الذي آلت إليه الميزانية بسبب تصرفات بعض الحكومات السابقة وبعض النواب، لذلك يجب إدانتهما معاً، وأيضاً إدانة كل من اعتمد في عمله أو قلمه على زيادة المصروفات فقط لتكوين شعبوية مؤقتة زائفة وأن يقال لهم لا تلوموا الحكومة وحدها لأنكم "دافنينو سوا".

أحمد يعقوب باقر