على وقع هجمات صاروخية متلاحقة تشير إلى نفاد صبر إيران تجاه إدارته الجديدة، اتفق الرئيس الأميركي جو بايدن في أول اتصال مع رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي على ضرورة المحاسبة الكاملة للمسؤولين عن هذه الهجمات، التي استهدفت خلال الأسبوع الجاري سفارة الولايات المتحدة، والتعاون في محاربة تنظيم داعش.

وأعلن البيت الأبيض، في بيان مساء أمس الأول، أن بايدن أشاد بقيادة الكاظمي وأكد دعم الولايات المتحدة لسيادة العراق واستقلاله، موضحاً أنهما «ناقشا أيضاً أهمية دفع الحوار الاستراتيجي بين بلدينا قدما وتوسيع التعاون الثنائي في قضايا كبرى أخرى».

Ad

وكتب الكاظمي، في تغريدة: «بحثتُ في اتصال هاتفي مع الرئيس بايدن تطوير العلاقات الثنائية وتعزيز الشراكة بما يخدم مصلحة البلدين والعمل على دعم الأمن والسلم في المنطقة واستمرار التعاون في محاربة داعش. كما أكدنا العمل لمواصلة الحوار الاستراتيجي بين بلدينا على أساس السيادة الوطنية العراقية».

وقبل الاتصال، شدد الكاظمي خلال جلسة مجلس الوزراء الأسبوعية، على أن «العراق لن يكون ساحة لتصفية الحسابات»، معتبراً أن الصواريخ العبثية، التي استهدفت السفارة الأميركية بالمنطقة الخضراء في بغداد ومطار أربيل الدولي مؤخراً، «محاولة لإعاقة تقدّم الحكومة وإحراجها، لكن أجهزة الأمن ستصل إلى الجناة وسيتم عرضهم أمام الرأي العام».

وأكد الكاظمي أن «العمليات الاستباقية ضد الإرهاب مستمرة وفي تصاعد للقضاء على ما تبقى من جحور الإرهاب وبؤره ونحيي قواتنا البطلة بكل صنوفها وهي ترابط ليلًا ونهارًا في ملاحقة خلايا الإرهاب».

وفي نفي مباشر ونادر، نفت «كتائب حزب الله ـــ العراق»، إحدى الفصائل العراقية الأقرب إلى إيران، أمس الأول أي دور لها في الهجمات الصاروخية على أهداف أميركية في العراق.

وفي أول تعليق من نوعه على أخطر حادث هذا العام، وهو هجوم صاروخي في أربيل في 15 فبراير أودى بحياة متعاقد يعمل مع القوات الأميركية، قال المتحدث باسم كتائب «حزب الله» محمد محيي، لوكالة رويترز: «نحن بشكل مطلق ما قمنا باستهداف أربيل ولا قمنا باستهداف المنطقة الخضراء».

وأضاف محيي، الذي تطالب جماعته بانسحاب 2500 جندي أميركي متمركزين في العراق وتعارض النفوذ الغربي، أن منفذي الهجمات يريدون من واشنطن أن تشدد موقفها من طهران أو تستهدف الفصائل العراقية، معتبراً أنه يجب منح فرصة لتحقيق انفراج بين الولايات المتحدة وإيران، مما قد يؤدي إلى رحيل القوات الأميركية.

وتمثل الهجمات على مدار الأيام العشرة الماضية تصعيدا ضد مواقع أميركية في وقت تبحث واشنطن وطهران عن سبيل للعودة إلى الاتفاق النووي.

ولا يعلق «حزب الله - العراق»، عادة على هجمات بعينها. ويمثل نفيه المباشر لأي تحرك ضد المصالح الأميركية في وقت تقول واشنطن إنها لا تزال تعمل على تحديد هوية مرتكبي هجوم أربيل، دلالة على رغبة إيران وحلفائها في تجنب تصعيد قد يؤدي إلى رد أميركي قوي.

لكن الحزب المح الى أن الهجوم الذي وقع على الرياض قبل اسابيع وتبناه فصيل عراقي غير معروف قد يكون انطلق بالفعل من الأراضي العراقية، مضيفاً انه تحرك له مشروعية.

صبر إيران

ووفق محللين ومسؤولين، فإن الهجمات الصاروخية المتجددة للفصائل العراقية تحمل مؤشراً على نفاد صبر إيران تجاه إدارة بايدن. وقال مسؤول عسكري أميركي كبير في العراق: «يبدو أننا عدنا إلى العام الماضي، والمعلومات الاستخباراتية تقول إن هناك المزيد في المستقبل»، موضحاً أن «المؤشرات تدلّ على أن الهجمات تعتمد الأسلوب السابق»، واستخدمت فيها عشرات الصواريخ من طراز 107 ملم التي تطلق من مركبات صغيرة.

لكن اللافت للنظر الآن أن المجموعات المتهمة بتنفيذ هذه الهجمات كانت أول الجهات المستنكرة لها، لكن المصادر الأمنية لا تبدو مقتنعة بهذا التنديد.

ويرى محللون وخبراء أن استئناف الهجمات ضد المصالح الأميركية في العراق مرتبط بعوامل محلية ودولية. فعلى المستوى المحلي، تتحدى الفصائل رئيس الوزراء الذي وعد بضبطها وتسعى لإبراز عضلاتها مع اقتراب موعد إجراء الانتخابات البرلمانية المبكرة في أكتوبر.

وقالت أنيسة البصيري من المعهد الملكي لخدمات الأمن والدفاع: «يريدون أن يذكروا الجميع بأنهم موجودون وأن يظهروا لرئيس الوزراء بأنهم يملكون حرية التحرك متى شاؤوا»، مضيفة: «الانتخابات المقبلة تلعب دوراً مفصلياً. وهذه المجموعات تستعدّ لها».

وتابعت البصيري: «الهجمات المتجددة قد تكون محاولة من المقربين من إيران لزيادة نفوذ حليفتهم في ضوء المحادثات التي تلوح في الأفق مع الولايات المتحدة».

وقد تكون لدى إيران أسباب مالية للضغط على بغداد بشكل مباشر، وفق مسؤولين محليين وغربيين. فمع تقلص اقتصادها وتداعيات العقوبات، تحتاج طهران للوصول إلى حسابها في بنك التجارة العراقي حيث كانت الحكومة تدفع لها ثمن الغاز المستورد. لكن مسؤولين عراقيين قالوا إنهم يخشون دفع ديون مستحقة لطهران بقيمة ملياري دولار خشية أن يثير ذلك غضب واشنطن.