لا يستحق أن يحظى بهذا اللقب على المستوى السياسي الآني، في نظري الشخصي، إلا رئيسة وزراء نيوزيلندا قائدة حزب العمال (جاسيندا أرديرن)، وفي حقيقة الأمر مرت حقبة زمنية طويلة لم يلقب بها أحد بهذ اللقب (أو استحقه) من بعد وفاة رئيسة وزراء المملكة المتحدة (مارغريت ثاتشر). تلك الأخيرة ورغم ملاحظات الكثيرين (وأنا منهم) على بعض خطواتها النيوليبرالية فإنها امرأة بألف ألف رجل، تصدت للأزمات واتخذت قرارات خوض حروب، ولن ننسى نحن الكويتيين موقفها البطولي تجاه الغزو العراقي الغاشم وعاصفة الصحراء حين خان العراق الجيرة والعشرة، لكن نيوزيلندا اليوم تفرز لنا امرأة حديدية جديدة في إطار الألفية الثالثة مترئسة حزب عمال بلادها ذا الصبغة اليسارية الليبرالية، لتسطر اسمها (وبالتبعية بلادها) في التاريخ المعاصر بأحرف من ذهب.

لمَ تستحق (جاسيندا) كل هذا المديح؟! ببساطة فلينظر العالم بأسره ما حققت نيوزيلندا وكيف تصدت بلاد (الكيوي) للجائحة الملعونة التي عصفت بالعالم بأسره.

Ad

جاسيندا، أصغر قيادات العالم النسائية والتي لم توقفها آلام المخاض والولادة عن ممارسة أعمالها، ومن بعد ذلك الاهتمام بعائلتها الصغيرة، بل تصدت بعد ذلك بخطة محكمة مع وزرائها لكورونا، وصمدت في وجهه لتقود بلادها ضد أي تداعيات قد تحل عليها من جراء الأزمة الصحية، وبمقارنة ظالمة مع أعداد الإصابة في الكويت وكيفية إدارة أزمة الوباء لدينا، نجد أننا قد تخطينا حاجز الألف إصابة لأيام متتالية وكثيرة في آخر أسبوعين. بالمقابل أصيب في نيوزيلندا منذ بداية الجائحة إلى هذا اليوم 2340 حالة مع تسجيل 26 حالة وفاة في تعداد يزيد على الخمسة ملايين نسمة بالشيء البسيط (الأرقام حسب إحصائيات يوم 18 فبراير 2021). وعليه نجد شيئاً من التقارب بين تعدادنا وإياهم هناك في نيوزيلندا مع فارق خارق بمعدل الإصابات.

ما السر يا ترى في قيادة الفريق الحكومي النيوزيلندي للأزمة في بلادهم؟! هل هو الوعي المجتمعي فقط؟! طبعا لا بل هيبة القانون وإحكام تطبيقه هو من يصنع الفارق. في الواقع لا يوجد سر أبداً، فحين قررت رئيسة وزراء البلاد ذات الأربعين ربيعا أن تواجه المرض والوباء فهي بالتبعية قد التزمت بالقوانين والاحترازات على مستوى البلاد وبكل حزم وصرامة على جميع أفراد المجتمع، كبيراً كان أو صغيراً، هاموراً كان أو زمروراً، فلا تجد في نيوزيلندا مثلا أحد أعضاء البرلمان وهو مسافر إلى بلد مجاور لنيوزيلندا كأستراليا مثلا وحين عودته يعفى من الحجر المؤسسي أو المنزلي! أو في جلسات البرلمان لديهم تجد أن الجماهير متلاصقة ومن غير كمامات وجه ضاربين عرض الحائط بكل التوصيات الصحية، ولا تجد في نيوزيلندا مثلا وزارة الصحة تتخبط في قراراتها، ولن تجد حتما الحكومة غير قادرة على تطبيق ثلاث مراحل للحظر بثلاثة أنواع مختلطة كذلك (مناطقي- جزئي- كلي، وبمواعيد متغيرة للجزئي أيضا).

ببساطة والعالم كله يولول من تبعات كورونا، تجد أعضاء الحكومة والشعب هناك يرسلون الفيديوهات التوعوية التي تنم عن وعي عال لدى المجتمع ويصدرونها للعالم أكمل.

ولا ننسى أيضا نقطة مهمة قد كلفت المنظومة الصحية الشيء الكثير، (جاسيندا) لن تتردد في تطبيق القانون على الانتخابات الفرعية وتجمعاتها كما كانت الحال في بلدان أخرى!! فلن تجد أحداً من أعضاء حكومة المرأة الحديدية يخرج ويستحلف الناس بالله وفي الوقت نفسه تقوم الحكومة ذاتها بغض الطرف عن تجمعات لانتخابات مخالفة لكل القوانين والدساتير، ولن تجد مثلا حكومة نيوزيلندا تتخبط في قرارات الحظر وإغلاق المطار أيضا، والأهم من هذا وذاك، حكومة نيوزيلندا لن تخرب ذكريات ماضي شعبها باختلاسات مليارية وتسرق حاضرها بفساد مستشر، ولن تسرق مستقبل شعبها بـ«تصفير عداد» الاحتياطي العام واقتراح سحب مبالغ من صندوق أجيالها القادمة.

وبالمناسبة أحب أن أشير لشيء مهم ألا وهو أن راتب (جاسيندا) يزيد على الثمانية آلاف دينار كويتي في الشهر الواحد قبيل استقطاع الضريبة طبعا، وهو مبلغ كبير على مستوى الحكومة النيوزيلندية، ورقم فلكي للكادحين من موظفي أبناء بلادي الكويت، ولكم أن تقارنوا هذا الرقم مع المزايا والمخصصات للمسؤولين في شتى بقاع الأرض.

أتمنى أن أرى (جاسيندا) في حكومتنا المقبلة، فعلى الأقل هي لن تعامل نفسيات الشعب كلعبة (اليويو) في تصريحاتها.

د. سلطان ماجد السالم