يأتي مشروع القانون، الذي أحالته الحكومة أمس، إلى مجلس الأمة، ويجيز لها أخذ مبلغ من احتياطي الأجيال القادمة

لا يتجاوز 5 مليارات دينار سنوياً لمواجهة أي عجز يطرأ على الاحتياطي العام للدولة، ضمن الإجراءات المالية المنحرفة في معالجة الأوضاع والتحديات الاقتصادية التي تواجه الكويت في الفترة الحالية، وذلك بالتزامن مع الآثار السلبية المزدوجة لتراجع أسعار النفط عالمياً، والآثار القوية التي فرضتها جائحة "كورونا" على مجمل أوجه النشاط الاقتصادي.

Ad

ولا يختلف مشروع السحب من احتياطي الأجيال القادمة عن أي خطة حكومية سابقة في محدودية الرؤية، أو في أفضل الأحوال، تغطيته فترة محدودة من الزمن، مثله مثل قانون الدين العام، أو اتجاهات توريد الأرباح من الجهات المستقلة إلى المالية العامة، أو وقف استقطاع تحويل الـ %10 من إيرادات الميزانية إلى "احتياطي الأجيال"، أو حتى مبادلة الأصول بـ "الكاش"، عبر نقل أصول غير سائلة من الاحتياطي العام للحصول على سيولة من الاحتياطي العام، فهذه كلها إجراءات وقتية غير مستدامة، ما لم تواكبها خطة إصلاح واضحة وصارمة، تتجه مباشرة في مرحلتها الأولى، على الأقل، نحو تعظيم الإيرادات غير النفطية، وتقليص الهدر في الميزانية، ووضع قيود على المصروفات قبل الاتجاه نحو المعضلات الأكبر في الاقتصاد المتعلقة مثلاً بسوق العمل، أو التركيبة السكانية، أو حجم القطاع الخاص من مجمل الاقتصاد.

اللافت في هذا المشروع أنه يأتي بعد أسابيع من اعتماد مجلس الوزراء لميزانية 2021- 2022، التي شكّلت مصروفاتها أعلى إنفاق في تاريخ الكويت بقيمة 23 مليار دينار، في وقت تشير كل أدبيات الدولة الاقتصادية إلى ضرورة ترشيد الإنفاق، وتقليص المصروفات، وكان من الأولى عند طلب سحب 5 مليارات دينار العمل على تقليص الميزانية، مما يشير إلى أن ما ورد في ديباجة مشروع القانون بشأن أن السحب من الاحتياطي يكون "مع الأخذ بعين الاعتبار قيام الحكومة بترشيد الإنفاق، وتخفيض المصروفات، وزيادة الإيرادات، وتنويع مصادر الدخل" لا يعدو عن كونه تكراراً لأدبيات لا تلتزم الحكومة بتطبيقها.

المشكلة أن السحب من احتياطي الأجيال القادمة سيكون ذا أثر أسوأ حتى من اللجوء إلى الاقتراض عبر الدين العام، فالاقتراض يجعل متخذ القرار تحت ضغط مراجعة آجال السداد، أو خدمة الدين وتكاليف الاستدانة المتصاعدة، أما السحب من احتياطي الأجيال فيجعل الحكومة تستمرئ عملية السحب في كل مرة يتحقق فيها العجز بالميزانية، وهو ما حدث بالفعل مع صندوق الاحتياطي العام الذي كانت قيمته تبلغ عام 2014 نحو 60 مليار دينار، حتى استنفدت سيولته تماماً قبل نهاية العام الماضي.

المرة الوحيدة في تاريخ الكويت التي تم المساس بصندوق احتياطي الأجيال كانت خلال الغزو العراقي لتمويل التزامات التحرير، واليوم تعود الحكومة، التي تتعرض مجدداً لـ "غزو الفشل وسوء الإدارة"، إلى طلب المساس بالصندوق مرة ثانية، بدون أي خطة إصلاح اقتصادي تضمن عدم هدر مليارات احتياطي الأجيال كما سبق أن أهدرت مليارات الاحتياطي العام، وقبلها مليارات فوائض 14 عاماً لم يستفد منها اقتصاد الكويت ولا مستقبلها شيئاً.

محمد البغلي