الشهر الحاسم لتحرير الكويت من الاحتلال العراقي الغادر، وبعد مضي أسبوعين من بداية حرب عاصفة الصحراء كان بادياً للعالم أجمع انهيار القوات العراقية وعجزها المطلق عن الصمود أمام الهجمات الجوية لقوات التحالف التي سيطرت على الأجواء كاملة وحطمت مكامن القوى للدفاعات العراقية، وكان بالنسبة إلى الكويتيين حفلة يومية ننتظرها بفارغ الصبر لمشاهدة أفواج طائرات التحالف المقاتلة وسماع صوتها تعبر سماء الكويت ذهاباً وإياباً لإنجاز مهماتها البطولية مبشرة بقرب تحرير الكويت من الاحتلال العراقي البغيض.

في شهر فبراير اختفت مظاهر الحركة والتنقل داخل الكويت، فقد فرضت قوات الاحتلال العراقي حظراً للتجول وأغلقت منافذ البيع القليلة المتبقية للمواد والأغذية، وانتشرت نقاط التفتيش والسيطرات الأمنية، ومنع التنقل بالسيارات التي لم تغير لوحات أرقامها الكويتية، وكانت الدراجة الهوائية هي وسيلة الصامدين في الزيارات المحدودة التي كانوا يقومون بها نهاراً، وحتى المساجد انقطع روادها الا قليلاً جداً بسبب سوء معاملة الجيش العراقي وتعتنهم مع الصامدين، وأذكر أننا ظللنا أسبوعين تقريباً أو أكثر نصلي جماعة في المنزل ما عدا الجمعة الأخيرة، حيث ذهبنا للمسجد ولم نكد نكمل صفاً أو صفين، وصلينا بلا كهرباء ولا إنارة حيث تكرر انقطاع الكهرباء والماء عنا، وكان الراديو والإذاعات المختلفة هي وسيلة متابعتنا للأحداث والأخبار وتطورات الحرب.

Ad

كانت معنويات الجنود العراقيين في الحضيض، فإضافة لعجز الدفاعات الجوية عن إصابة طائرات التحالف، وفشل المضادات العراقية التي انتشرت في مناطق السكن الخاص وبين الأهالي وفوق أسطح المدارس والمنازل والمباني الحكومية مسببة ضوضاء رهيبة بلا أثر، فقد كان الجنود العراقيون يعانون نقصاً في المؤونة والطعام، أو كما كانوا يسمونه (الأرزاق) حيث دأب الجنود في الأيام الأخيرة على طرق أبواب منازل الصامدين يتسولون الأكل من الخبز والرز والايدام بسبب تقطع خطوط وإمدادات التموين مع قيادتهم الرئيسة، وكنا نشاهد الخوف والوهن بارزا على وجوههم وحركاتهم.

في هذه الأيام الفاصلة حاول النظام العراقي تكرار تحايله على النظام الدولي، فأعلن مبادرات شكلية للانسحاب من الكويت بشروط ملتوية وناقصة، ثم أعلن الرئيس السوفياتي ميخائيل غورباتشوف مبادرة الرمق الأخير لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وسقطت تلك المحاولات البائسة أمام وحدة وصلابة النظام العالمي وقوات التحالف في إنهاء الغزو بكل تفاصيله وحفظ حقوق الكويت كاملة.

واصل النظام العراقي المحتل جرائمه حتى الأيام الأخيرة للاحتلال، فحرق مئات الآبار النفطية فتلوثت سماء الكويت بالسواد من ظلمة الدخان وملأ أرض الكويت وصحراءها بمئات الآلاف من الألغام المتفجرة، ثم شرع في خطف الكويتيين الصامدين من الشباب والرجال من الشوارع والطرق ومن أمام منازلهم خصوصاً الأسبوع الأخير، حيث تم اقتياد آلاف الكويتيين الأبرياء بالباصات لمعتقلات البصرة وجنوب العراق.

الغزو العراقي الغادر للكويت ملحمة تاريخية للوطن وأبنائه، سنظل دوماً نحمد الله سبحانه على نعمة التحرير العظيمة ونستذكر تضحيات شباب وبنات الكويت الأبطال، خصوصاً الشهداء الأبرار والأسرى الشرفاء ونقدم الشكر والعرفان لكل من ساند حقنا الغالي، والله الموفق.

‏‫وليد عبدالله الغانم