مبارك لدولة الإمارات العربية المتحدة إنجازها التاريخي بوصول "مسبار الأمل" الذي مولته إلى كوكب المريخ، بعد رحلة انتظار وأمل استمرت سبعة أشهر قُطعت خلالها ملايين الكيلومترات، ليصل (العرب)- وفق تصريح نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم- إلى "أبعد نقطة يصلونها في تاريخهم"، ولتحتل الإمارات المركز الخامس في سباق الدول الى الكوكب الأحمر الذي لم تستطع خمسون في المئة من البعثات البشرية أن تدخل مداره.

مبارك لكل الشعوب العربية متابعتها- ولو ليوم واحد- لبعض من الأمل وقبس من الرجاء ونفحة من الإنجاز، على خلاف ما يشغل يومياتها من أخبار سيئة وحروب قاتلة وأزمات مقلقة وإحباطات متراكمة!

Ad

مبارك لبني البشر تحقيق هذه الخطوة الجديدة في مسار الطموحات العلمية حيث سيدرس هذا المسبار، خلال سنة مريخية- تعادل سنتين أرضيتين- كل ما له علاقة بالغلاف الجوي للمريخ بالإضافة الى التغيرات اليومية والموسمية، بطقس وجو الكوكب البعيد، مستعينا في ذلك بثلاثة أجهزة علمية متطورة تعتمد تقنيات حديثة ومقاييس الطيف الشعاعي.

ذكرني هذا الخبر بكل ما فيه من إيجابية ونجاح وفخر لكل العرب وبني البشر، بحوار شيّق دار بيني وبين أحد المشردين في عام 1999، حيث كنت أمارس هواية المطالعة على ضفاف أحد الأنهر الفرنسية، فباغتني بالسؤال عن مضمون الكتاب الذي أغوص بين سطوره، فأجبته بلطف وجدّية عن محتواه ذي الصلة بعلم من العلوم الإنسانية، لفتته كلمة "الإنسانية" ولم يترك لي الخيار إلا أن أنصت معجباً لطرحه العميق والقيّم والمتشعّب حول جدلية "أنسنة العلوم"، معتبراً بدقيق النقل والعبارة "أن البشر من بعد أن حطوّا رحالهم على سطح القمر يتهافتون للوصول الى المريخ، كما أن الإنسان يتنافس مع أخيه الإنسان لسبر أغوار الفضاء، وأن العلماء يرتفعون بأبصارهم للتحليق والتحديق في سماء الطموح والأحلام، وأن الدول تصرف المليارات في سباق التسلح وغزو الفضاء، فيغفلون جميعاً- جهلاً أم عمداً- عن أرض تحت الأقدام تحتاج لاهتمام، وعن بيئة محيطة تحتاج لرعاية، ويشيحون النظر عن مآس قريبة تجاورهم، ويصمّون الآذان عن آلام إنسانية تحتاج لمن يضمد جراحها".

بالطبع من غير المنطقي ولا المقبول أن نسلم أن هذا القول يلخص كل الحقيقة، ولكنه في الوقت نفسه لم يجانب كل الصواب، فمن جهة لا يمكن أن نقزّم العلم ولا أن نبهّت نبل رسالته بمثل هذا الطرح المجبول بالسوداوية والبؤس، وبالمقابل يجب الاعتراف أن الجهود البشرية في المجالات العلمية لم تكن بكاملها لخدمة الإنسانية بل تم استخدامها في غير مرة لقتل أو تجويع أو ترويع الإنسان أو "لمكننة" علاقاته الثنائية والجماعية، ولنا في "ديناميت نوبل" وفي "منصات التباعد الاجتماعي" ما يوجز المسألة!

"مسبار الأمل"، وبقدر ما فتح أعيننا على مجد إنجازات نشتاق لماضيه ونتلهف لوجوده في مستقبل العرب، يفتح أعيننا على "مسار الألم" الذي تسلكه البشرية في "غابة" الإنسانية التي يخشى أن تغيب شيئاً فشيئاً في غياهب النسيان.

د. بلال عقل الصنديد