منذ فترة طويلة وأنا أطرح ضرورة إتمام مصالحة وطنية شاملة في الكويت، بحيث تعود لحمة الوطن متماسكة متعاضدة ومتشاركة في شؤون البلد، واتضح لي من مجمل نقاشات متعددة ومتفاوتة عدم وضوح المقصود من المصالحة الوطنية من حيث مفهومها وطبيعتها وما يترتب عليها من آثار ونتائج، وقد تم فتح حوار متعدد في أطرافه، وآخر ثنائي، بشأن ماذا تعني فكرة المصالحة الوطنية؟

ولما كان مهماً أن يتم وضع النقاط على الحروف في هذا الموضوع المهم، والمرتبط بإعادة التماسك الوطني ولحمته إلى وضعهما الطبيعي، فإن الإجابة عن التساؤلات الخاصة بما تعنيه المصالحة الوطنية تعد أمراً لازماً لإبراز الأبعاد المختلفة لموضوع المصالحة.

Ad

فالمصالحة تعني أن هناك أطرافاً تباعدت أو اختلفت حول شأن معيّن، ومن ثم يلزم أن يتم إعادة الفرقاء إلى وحدتهم من خلال المصالحة، وعليه، فهي تفترض وجود أطراف اختلفت فيما بينها، ومن يقلب صفحات الماضي القريب الذي مرّت به الكويت من أحداث سياسية وما اختلط معها من إجراءات جزائية وربما قانونية يدرك أنه منذ عام 2012 بدأت حالة المفارقة بين الأطراف إثر صدور قانون "الصوت الواحد" من جهة، وانكشاف فساد مالي، وما تلا ذلك من حالة تجاذب سياسي بين مؤيد ومعارض ومتحفظ، بل ومقاطع للانتخابات، ثم لحقت ذلك جملة من الأحداث كان على رأسها التضييق على الحريات وملاحقة أصحاب الرأي والتغريدات وأصحاب المواقف السياسية المعلنة، بالرغم من أن كل تلك التحركات التي انخرط فيها عدد من السياسيين والشباب كانت لأغراض إصلاحية في جوهرها، ولمواجهة فساد سياسي أو مالي محدد، وإن كان التعبير عنها لم يكن دائماً موفقاً أو مقبولاً، لكن الدافع الوطني الإصلاحي وحسن النوايا هو أساسها، غير أن ذلك قد جوبه من قبل السلطات الرسمية بتشدّد غير مسبوق وبإجراءات ضيقت على الحريات، وقد كان في طليعة الأحداث قضية ما يسمى بـ"دخول المجلس"، وقد صاحب ذلك أيضاً ملاحقة أصحاب الرأي بالنشر العادي أو الإلكتروني، إلى جوار أصحاب المواقف والآراء السياسية، وقد كان كل ذلك أمراً مستغرباً ومستجداً على المجتمع الكويتي الذي عُرف بأنه بلد للحريات ومنطلقاته دستورية راسخة.

وقد صدرت أحكام قضائية متفاوتة إثر كل تلك الأحداث، وقد ورّثت جملة الأحداث، بما حملته من إجراءات، حالة من الافتراق الوطني غير الحميد، وعاشت الكويت حالة بارزة من التوتر السياسي، وهو السبب الملحّ لحتمية المصالحة التي تعني وجود أطراف اختلفت، تتمثل في السلطة من جهة، ومجاميع من الشعب الكويتي من جهة أخرى، خصوصاً من صدرت في مواجهتهم إجراءات أو أحكام، وأما الطرف الثالث فهو الوسيط الذي يحاول أن يزيل أي شائبة بين الأطراف المذكورة، وهو مجموعة من السياسيين، وعلى رأسهم بعض البرلمانيين من خلال قانون للمصالحة الوطنية والعفو العام، بحيث يتم من خلال المصالحة طيّ صفحات الماضي القريب من جهة الإقرار بحدوث بعض الأخطاء والتصرفات غير المقبولة، لكنها كانت بدوافع وطنية وعن حسن نوايا، وفي المقابل يتم التقارب من الطرف الآخر وقبول ذلك الإقرار أساساً للتوافق على قانون للمصالحة والعفو العام، بحيث يترتب على ذلك سقوط التجريم الذي أُدين به أولئك السياسيون والشباب المؤيدون لهم، ويتم العفو عنهم، بعد أن يُلغى أثر الجريمة، وتتم عودة المهجرين منهم إلى بلدهم وأهلهم من جهة، مع حفظ التقدير والاحترام للسلطة والحرص على استمرار مخاطبتها بجرأة، لكن بأدب تقتضيه طبيعة المخاطبة، وإن كانت شديدة في تعابيرها لغرض الإصلاح والنقد البنّاء، حتى يسير البلد نحو التنمية والبناء.

محمد المقاطع